وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 89 بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ 90 وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 91 ۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ 92 وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 93
الصفحة 14

تفسير سورة البقرة - الآية 91

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 91

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91-93]
(1) نلمح من خلال هذه الآيات العناية الإلهية بهذه الأمة وبرسولها محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال تلقينهم الحجة تلو الحجة، وتعليمهم كيفية الرد على خصومهم في الادعاءات الكاذبة والأقاويل المزيّفة، وهذا: يدل (أولا) على محبة الله للناس وحرصه على هدايتهم، واهتمامه ببيان الحق والصواب لهم كي لا يقعوا في الضلال. ويدل (ثانيا) على تعهد الله تعالى للمؤمنين بالتربية والتعليم والرعاية والإصلاح. ويدل (ثالثا) على مشروعية الحوار والمناظرة والمجادلة إذا كانت الغاية من ذلك هي إظهار الحق وبيان الحجة والإرشاد إلى الصواب. وهذا الذي نلمحه في هذه الآيات موجود في غيرها من الآيات، حتى إنّ الجدل هو أحد المعاني السبعة التي نزل بها القرآن، أي: الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال والجدل. ففي هذه الآيات يبيّن الله تعالى أنّ اليهود إذا دُعوا إلى الإيمان بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم يرفضون ذلك مدعين الإيمان بما أنزل إليهم في التوراة، وأنّ ذلك هو الإيمان فقط، فهم يكفرون بنبوة عيسى عليه السلام ويكفرون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وهنا يلقن الله رسوله الحجة على بطلان ادعائهم الإيمان بما أنزل إليهم في التوراة، وذلك بأن يأمره أن يقول لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾، فهم قتلوا الأنبياء الذين جاءوا يدعونهم إلى التوراة وهذا لا يفعله مؤمن، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُون﴾، وهم عبدوا العجل بعد غياب موسى عليه السلام وهذا لا يفعله مؤمن، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، وهم سلكوا طريق المعصية بعد أن أقروا بالطاعة وبالميثاق المأخوذ عليهم، ومنهج المعصية لا يتفق مع الإيمان. فهم إذا ومن خلال سلوكهم وعملهم كافرون بما أنزل عليهم، أي: التوراة، فلا عجب والحالة هذه أن يكفروا بالقرآن وبالإنجيل ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُم﴾.
(2) قوله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾. المقصود من ذلك أن بني إسرائيل كانوا يقتلون الأنبياء الذين جاءوا مصدقين للتوراة وداعين إليها، وليس المقصود بذلك عيسى أو محمد عليهما الصلاة والسلام، ويدل على ذلك قوله تعالى: (من قبل). وفي الحديث ما يدل على ذلك وعلى الترهيب منه والوعيد عليه، فعن أبي عُبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر»، ثم قال: «يا أبا عُبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجلّ» (الطبري). وهذا الذي فعلته إسرائيل في أنبيائها تفعله الذراري المسلمة بعلمائها ودعاتها، فليحذروا أن يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل.
(3) قوله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. فهم قالوا سمعنا بأفواههم وقالوا عصينا بأعمالهم، لأنّ السمع يعبر عنه بالقول، وعبروا عن معصيتهم بالقول، ولكن المعصية ليست مجرد قول، كما إنّ حقيقة الطاعة ليست مجرد قول، إنّ المعصية عمل كما إنّ الطاعة عمل، ولا قيمة لقول بلا عمل. والله تعالى إنما ذمهم على المعصية ولم يذمهم على السمع، كما إنه أراد أن يعلم المسلمين ويربيهم على خلاف ما فعل اليهود بأن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وأن يطيعوا حقيقة وفعلا لا أن يدعوا ذلك ادعاء، لأنّ الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي بل هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل، فكيف يكون حال الإيمان إذا كذبه العمل؟! إنّ العمل هو المعيار في صدق الإيمان وكذبه، ولولا العمل ما عُرف الصادق في إيمانه من الكاذب في إيمانه. ونذكر هنا بأنّ تصديق القول بالعمل وربط القول بالعمل هو الجوهر الأساسي في التربية، ومن خلال هذا الكلام يبدو الفرق واضحا وجليا بين الداعية والمربي، فالداعية هو الذي يعلم الناس، والمربي هو الذي يعلم الناس ويتابعهم كي يتمثلوا ما تعلموه واقعا عمليا وحقيقة حركية، فلا يكتفي المربي بمجرد التعليم.
فهرس الكتاب