إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 6 خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 7 وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ 8 يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ 10 وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ 11 أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ 12 وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ 13 وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ 14 ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 15 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ 16
الصفحة 3

تفسير سورة البقرة - الآية 13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ 13

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]
إنّ معنى قوله تعالى: (آمنوا كما لآمن الناس) هو: آمنوا إيمانا صحيحا لا رياء فيه كما آمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وإنّ معنى قولهم: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ هو اتهام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالسفاهة. والسفيه هو: الجاهل، الضعيف الرأي، القليل العلم بمواضع المصالح والمضار. وهنا نجد أنّ المنافقين يريدون إيمانا خاصا بهم، باعتبارهم من أشراف القوم، لا يجمعهم مع إيمان عامة الناس، باعتبارهم من الأراذل. وهذه المقولة تدل على أنهم لا يريدون الإيمان، وتدل على رغبة في تفرقة الصف الإسلامي. والموقف الإسلامي في هذه المسألة واضح وصارم، وهو أنّ الإيمان واحد، وأنّ الإيمان يجمع السيد مع العبد، والغني مع الفقير، والأشراف مع العامة، ويسوي بينهم، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا﴾ [الكهف: 28]. والموقف القرآني واضح من أولئك الذين يقولون ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾، فإذا كان السفيه هو الجاهل فمن يقول ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ جاهل، وإذا كان السفيه هو الضعيف الرأي، فلا أضعف رأيا ممن يقول ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾، وإذا كان السفيه هو القليل العلم بمواضع المصالح والمضار، فمن يقول ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ لا يعلم مصلحة نفسه من ضررها، ولذلك وصفهم الله بقوله: ﴿ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾.
ونأخذ من هذا النص حقيقتين تربويتين
(1) إنّ الإيمان واحد، والمؤمنون متساوون، ولا فرقة في الصف الإسلامي.
(2) إنه لا عذر بالجهل في حقائق الإيمان، لأنّ الله تعالى وصف المنافقين في هذه الآية فقال: ﴿ولكن لا يعلمون﴾، كما وصفهم في الآية السابقة فقال: ﴿ولكن لا يشعرون﴾، ومع ذلك لم يعذرهم بجهلهم ولم يرفع العقوبة عنهم. فالمنافقون حين قالوا ﴿إنما نحن مصلحون﴾، قالوا ذلك جهلا منهم بحقيقة أنفسهم، ومع ذلك وصفهم الله بقوله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾، وحين قالوا ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾، قالوا ذلك جهلا منهم بحقيقة الإيمان وحقيقة المؤمنين، ومع ذلك وصفهم الله بقوله ﴿ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾، فلم يعذرهم في الحالتين. وحقيقة الجهل يجب أن يتنبه إليها القائمون بالتربية الإسلامية، لأنّ الجهل على نوعين: الجهل البسيط، وصاحبه لا يعلم، ويعلم أنه لا يعلم، والجهل المركب، وصاحبه لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم. فأما الجاهل البسيط فيجب تعليمه، وأما الجاهل المركب فيجب إقناعه بأنه جاهل، فإن اقتنع فيجب تعليمه، وإن لم يقتنع أنه جاهل فلا فائدة من تعليمه، والجهل المركب داء عضال نادرا ما يفيد فيه التعليم، وهذا هو حال المنافقين حيث وصفهم الله بقوله: ﴿ولكن لا يشعرون﴾، وبقوله: ﴿ولكن لا يعلمون﴾.
فهرس الكتاب