أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 29 ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 30 أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ 31 وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ 32 يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ 33 إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ 34
الصفحة 414

تفسير سورة لقمان - الآية 29

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلࣱّ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرࣱ 29

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 29-31]
(29) و (30) و (31) قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير. ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير. ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾. في هذه الآيات دعوة إلى الإيمان من خلال النظر في آية الليل والنهار: تعاقبهما وزيادة أحدهما بنقصان الآخر والراحة في الليل والعمل في النهار، ومن خلال النظر في آية الشمس والقمر: جريان كل منهما وكون الشمس ذاتية الضوء وكون القمر انعكاسي الضوء وارتباطهما بالليل والنهار ودورهما في التأريخ، ومن خلال النظر في جريان الفلك في الماء بالقوة المودعة فيه وهي قانون الكثافة والكتل الحجمية. والنظر في آيات الله الكونية يؤدي إلى الإيمان بالله في أبسط صوره كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الخالق الخبير؟! والنظر في أي خلق من مخلوقات الله يؤدي إلى الإيمان به كما قال الشاعر: وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد. وأما النظر في النفس البشرية فقد لخصها ابن سينا بهذا البيت من الشعر: وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر. فقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ يعني: يزيد أحدهما بنقصان الآخر وينقص أحدهما بزيادة الآخر ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ يعني: ذللهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال وإتماما للمنافع ﴿كل يجرى إلى أجل مسمى﴾ يعني: إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه، وقيل: إلى يوم القيامة ﴿وأن الله بما تعملون خبير﴾ يعني: من قدر على هذه الأشياء فلا بد أن يكون عالما بها، والعالم بها عالم بأعمال الناس. (ذلك) يعني: فعل الله تعالى ذلك لتعلموا وتقروا ﴿بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ يعني: ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان والشيطان ﴿وأن الله هو العلي﴾ في مكانته (الكبير) في سلطانه. ﴿ألم تر أن الفلك﴾ يعني: السفن ﴿تجري في البحر بنعمة الله﴾ يعني: بلطفه بكم وبرحمته لكم في خلاصكم منه ﴿ليريكم من آياته﴾ يعني: ليريكم جريان السفن، وقيل: ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه، وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء ﴿إن ذلك لآيات لكل صبار﴾ لقضائه (شكور) على نعمائه. وقيل: المراد لكل مؤمن بهذه الصفة، لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان. وقيل: الآية هي العلامة، والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
(32) قوله تعالى: وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور). فيه تربية على الاتساق وعدم التناقض بين الشدة والرخاء، فكل الناس إذا وقعوا في شدة كالخوف من الغرق في البحر دعوا الله وحده وأخلصوا له في الدعاء، ثم إذا نجاهم من الشدة عاد أكثرهم إلى عبادة غير الله وإلى دعاء غير الله. والاتساق في هذا الأمر هو الاستمرار في الإيمان في الرخاء كما في الشدة. فقوله تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل﴾ يعني: كالجبال، وقيل: كالسحاب، وإنما شبه الموج وهو واحد بالظل وهو جمع لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء ويركب بعضه بعضا كالظلل ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ يعني: موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه (فلما نجاهم) يعني: من البحر (إلى البر) يعني: اليابسة (فمنهم مقتصد) يعني: موف بما عاهد عليه الله في البحر، وقيل: عدل في العهد، وقيل: مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة، وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: فمنهم مقتصد ومنهم كافر، ودل على المحذوف قوله: ﴿وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾ والختر: الغدر، والكفر: الجحود بالنعمة، وجحد الآيات: إنكار أعيانها، والجحد بالآيات: إنكار دلائلها.
فهرس الكتاب