وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءࣱ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ 18
[فاطر: 18]
(18) قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير﴾. فيه بيان لبعض تعاليم هذا الدين الحنيف وتربية عليها: فالمسؤولية فردية ولا أحد يحمل الذنوب عن أحد مهما كانت درجة العلاقة بينهما، والذين يستفيدون من الإنذار هم الذين يخافون الله تعالى ويخشونه خاصة في حال الغياب عن الرقابة البشرية، وكذلك الذين يقيمون الصلاة بشروطها وواجباتها وسننها وهيئاتها مع المداومة عليها، ومن تزكى بفعل المأمورات وترك المنهيات فإنما يتزكى لنفسه، ومن تدنس بترك المأمورات وفعل المحظورات فإنما يدنس نفسه ويهلكها، والناس كلهم مؤمنهم وكافرهم صائرون إلى حساب الله يوم القيامة حيث العدالة الإلهية المطلقة. فقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ يعني: ولا تحمل نفس ذنب نفس، فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبا في دعائه لكان مذنبا وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم، وليس كما يقول أكابركم: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: 12]، وقوله: ﴿وإن تدع مثقلة﴾ يعني: نفس مثقلة (إلى حملها) من الذنوب ﴿لا يُحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ يعني: ولو كان الإنسان المدعو ذا قربى، لأنه لا أحد يحمل عن أحد يوم القيامة ﴿إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب﴾ يعني: إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب الله تعالى (ويقيمون الصلاة يعني: يفعلونها على حقيقتها، وقيل: ﴿يخشون ربهم بالغيب﴾ إشارة إلى عمل القلوب (ويقيمون الصلاة) إشارة إلى عمل الجوارح ﴿ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه﴾ يعني: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وقيل: من تطهر الشرك والذنوب فإنما يتطهر لنفسه ﴿وإلى الله المصير﴾ يعني: إليه مرجع جميع الخلق للحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.
(19) و (20) و (21) و (22) قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور﴾. فيه ترغيب بالإيمان وترهيب من الكفر من خلال تشبيه المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى، وتشبيه الإيمان بالنور وتشبيه الكفر بالظلمات، وتشبيه الإيمان بالمكان الذي فيه ظل وتشبيه الكفر بالمكان الحار المشمس، وتشبيه المؤمن بالذي يسمع وتشبيه الكافر بالأصم، وتشبيه الإيمان بالحياة وتشبيه الكفر بالموت. فقوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ يعني: الكافر والمؤمن، والجاهل والعالم. ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ يعني: الكفر والإيمان، ووحد النور لأن الحق واحد، وجمع الظلمات لتفرقها وتشعبها. ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ يعني: الإيمان والكفر، وقيل: الجنة والنار، فالجنة ذات ظل دائم والنار ذات حرور. ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ يعني: المؤمنون والكفار، وقيل: العقلاء والجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال، أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن ﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ يعني: يُسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ يعني: الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، والمعنى: كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه، فهم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.
(23) و (24) قوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾. فيه تقرير لحقيقتين: (إحداهما) أن دور الرسول هو التبشير بالجنة لمن أطاع والإنذار من النار لمن عصى ولا يحاسب على كفر من كفر بعد البلاغ المبين. (والأخرى) أنه تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد أن تبلغه الرسالة ويعرض عنها، ولذلك لم تخل أمة من نبي ينذرها ورسول يبلغها الدعوة إلى الله تعالى. فقوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ يعني: رسول منذر، فليس عليك إلا التبليغ، وليس لك من الهدى شيء، إنما الهدى بيد الله تبارك وتعالى. ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾ يعني: بشيرا بالجنة لأهل طاعته، ونذيرا بالنار لأهل معصيته ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ يعني: وما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا من رسله.
(25) و (26) قوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير﴾. فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه من التكذيب بنبوته ورسالته من خلال البيان بأن تكذيب الرسل هو ديدن الأمم السابقة مع كون الرسالات واضحة ومكتوبة ومحددة، ومن خلال الوعيد للكافرين بعذاب الاستئصال والدمار في حال اختيار الكفر والإعراض عن الدعوة وتكذيب الرسل. فقوله تعالى: (وإن يكذبوك) يعني: كفار قريش ﴿فقد كذب الذين من قبلهم﴾ يعني: أنبياءهم ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ يعني: بالمعجزات الظاهرات والشرائع الواضحات (وبالزبر) يعني: بالكتب المكتوبة (وبالكتاب المنير) يعني: الواضح. وقيل: البينات والزبر والكتاب واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب. ﴿ثم أخذت الذين كفروا﴾ بالاستئصال والدمار ﴿فكيف كان نكير﴾ يعني: فكيف كانت عقوبتي لهم.
(27) و (28) قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ إن الله عزيز غفور﴾. فيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال النظر في تنوع الخلق رغم وحدة المنشأ والمنهل، فالثمرات مختلفة الألوان والطعوم والرائحة والأحجام مع أنها تسقى بماء واحد، والجبال متنوعة الألوان بين الأبيض والأحمر والأسود مع كون البنية واحدة وهي التراب، والناس مختلفون في الألوان واللغات والمذاهب مع كون خلق الإنسان واحد ومن مواد واحدة، وكذلك الدواب وهي كل ما يدب على الأرض وفيه الحياة وخاصة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم. وفيه بيان أن الذي يستفيد من النظر في آيات الله الكونية عامة وآية الخلق المتنوع خاصة إنما هم العلماء المحققون الذين ينظرون في وظائف الأشياء وحركتها ولا يقفون عند التشريح الظاهري لها، وبالاصطلاح الحديث هم علماء الفيسيولوجيا وليس علماء التشريح الوصفي. فقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء﴾ هذه الرؤية رؤية القلب والعلم، أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل (فأخرجنا به) يعني: بالماء ﴿ثمرات مختلفا ألوانها﴾ يعني: متفاوتة باللون وغيره من الاختلافات ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها﴾ الجدد جمع جدة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان الجميع حجرا أو ترابا. وقيل: إن الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته (وغرابيب سود) والغربيب الشديد السواد، ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب، والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. ﴿ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه﴾ يعني: فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك، وكل ذلك دليل على الخالق القدير (كذلك) هنا تمام الكلام، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم استأنف فقال: ﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، قال ابن عباس: الذين علموا أن الله على كل شئ قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. وقيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها ﴿إن الله عزيز غفور﴾ تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى.
(29) و (30) قوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور﴾. ولأن الناس يحبون التجارة بالفطرة ويحاولون أن تكون تجارتهم رابحة بالفكر والنظر فإن الله تعالى يدلنا في هاتين الآيتين على أركان التجارة الرابحة وهي: القرآن، والصلاة، والإنفاق. القرآن: تلاوة وتدبرا وفهما وعملا به. والصلاة: إقامة لها ومداومة عليها مع الانتفاع بتهذيبها للنفس البشرية. والإنفاق في سبيل الله: بالسر والعلن، وبالفرض والنفل، وبالكثير والقليل، وبالجيد والرديء. فقوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ إشارة إلى الذكر (وأقاموا الصلاة) إشارة إلى العمل البدني ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ إشارة إلى العمل المالي. فهذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون صلاة الفرض والنفل، وكذا في الإنفاق ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ يعني: لن تخسر. قال الرازي في التفسير: «وفي الآيتين حكمة بالغة، فقوله: ﴿إنما يخشى الله﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ إشارة إلى عمل اللسان، وقوله: ﴿وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله والشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكا إذا رأى عبدا من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم، وإلى هذا أشار بقوله: (عبدي مرضت فما عدتني، فيقول العبد: كيف تمرض وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته لوجدتني عنده) يعني التعظيم متعلق بالشفقة، فحيث لا شفقة على خلق الله لا تعظيم لجانب الله. وقوله تعالى: (سرا وعلانية) حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سرا فذاك ونعم وإلا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء، ويمكن أن يكون المراد بقوله: (سرا) أي صدقة (وعلانية) أي زكاة، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. وقوله تعالى: ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله، فإن غير الله بائر والتاجر فيه تجارته بائرة». وقوله تعالى: (ليوفيهم أجورهم) يعني: ما يتوقعونه ولو كان أمرا بالغ الغاية ﴿ويزيدهم من فضله﴾ يعني: يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل، وقيل: الزيادة الشفاعة في الآخرة، ويحتمل أن تكون الزيادة النظر إليه تعالى يوم القيامة كما جاء في تفسير الزيادة (إنه غفور) عند إعطاء الأجور (شكور) عند إعطاء الزيادة. وقيل: (إنه غفور) للذنوب (شكور) يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب.
(18) قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير﴾. فيه بيان لبعض تعاليم هذا الدين الحنيف وتربية عليها: فالمسؤولية فردية ولا أحد يحمل الذنوب عن أحد مهما كانت درجة العلاقة بينهما، والذين يستفيدون من الإنذار هم الذين يخافون الله تعالى ويخشونه خاصة في حال الغياب عن الرقابة البشرية، وكذلك الذين يقيمون الصلاة بشروطها وواجباتها وسننها وهيئاتها مع المداومة عليها، ومن تزكى بفعل المأمورات وترك المنهيات فإنما يتزكى لنفسه، ومن تدنس بترك المأمورات وفعل المحظورات فإنما يدنس نفسه ويهلكها، والناس كلهم مؤمنهم وكافرهم صائرون إلى حساب الله يوم القيامة حيث العدالة الإلهية المطلقة. فقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ يعني: ولا تحمل نفس ذنب نفس، فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبا في دعائه لكان مذنبا وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم، وليس كما يقول أكابركم: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: 12]، وقوله: ﴿وإن تدع مثقلة﴾ يعني: نفس مثقلة (إلى حملها) من الذنوب ﴿لا يُحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ يعني: ولو كان الإنسان المدعو ذا قربى، لأنه لا أحد يحمل عن أحد يوم القيامة ﴿إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب﴾ يعني: إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب الله تعالى (ويقيمون الصلاة يعني: يفعلونها على حقيقتها، وقيل: ﴿يخشون ربهم بالغيب﴾ إشارة إلى عمل القلوب (ويقيمون الصلاة) إشارة إلى عمل الجوارح ﴿ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه﴾ يعني: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وقيل: من تطهر الشرك والذنوب فإنما يتطهر لنفسه ﴿وإلى الله المصير﴾ يعني: إليه مرجع جميع الخلق للحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.
(19) و (20) و (21) و (22) قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور﴾. فيه ترغيب بالإيمان وترهيب من الكفر من خلال تشبيه المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى، وتشبيه الإيمان بالنور وتشبيه الكفر بالظلمات، وتشبيه الإيمان بالمكان الذي فيه ظل وتشبيه الكفر بالمكان الحار المشمس، وتشبيه المؤمن بالذي يسمع وتشبيه الكافر بالأصم، وتشبيه الإيمان بالحياة وتشبيه الكفر بالموت. فقوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ يعني: الكافر والمؤمن، والجاهل والعالم. ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ يعني: الكفر والإيمان، ووحد النور لأن الحق واحد، وجمع الظلمات لتفرقها وتشعبها. ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ يعني: الإيمان والكفر، وقيل: الجنة والنار، فالجنة ذات ظل دائم والنار ذات حرور. ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ يعني: المؤمنون والكفار، وقيل: العقلاء والجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال، أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن ﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ يعني: يُسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ يعني: الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، والمعنى: كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه، فهم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.
(23) و (24) قوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾. فيه تقرير لحقيقتين: (إحداهما) أن دور الرسول هو التبشير بالجنة لمن أطاع والإنذار من النار لمن عصى ولا يحاسب على كفر من كفر بعد البلاغ المبين. (والأخرى) أنه تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد أن تبلغه الرسالة ويعرض عنها، ولذلك لم تخل أمة من نبي ينذرها ورسول يبلغها الدعوة إلى الله تعالى. فقوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ يعني: رسول منذر، فليس عليك إلا التبليغ، وليس لك من الهدى شيء، إنما الهدى بيد الله تبارك وتعالى. ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾ يعني: بشيرا بالجنة لأهل طاعته، ونذيرا بالنار لأهل معصيته ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ يعني: وما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا من رسله.
(25) و (26) قوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير﴾. فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه من التكذيب بنبوته ورسالته من خلال البيان بأن تكذيب الرسل هو ديدن الأمم السابقة مع كون الرسالات واضحة ومكتوبة ومحددة، ومن خلال الوعيد للكافرين بعذاب الاستئصال والدمار في حال اختيار الكفر والإعراض عن الدعوة وتكذيب الرسل. فقوله تعالى: (وإن يكذبوك) يعني: كفار قريش ﴿فقد كذب الذين من قبلهم﴾ يعني: أنبياءهم ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ يعني: بالمعجزات الظاهرات والشرائع الواضحات (وبالزبر) يعني: بالكتب المكتوبة (وبالكتاب المنير) يعني: الواضح. وقيل: البينات والزبر والكتاب واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب. ﴿ثم أخذت الذين كفروا﴾ بالاستئصال والدمار ﴿فكيف كان نكير﴾ يعني: فكيف كانت عقوبتي لهم.
(27) و (28) قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ إن الله عزيز غفور﴾. فيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال النظر في تنوع الخلق رغم وحدة المنشأ والمنهل، فالثمرات مختلفة الألوان والطعوم والرائحة والأحجام مع أنها تسقى بماء واحد، والجبال متنوعة الألوان بين الأبيض والأحمر والأسود مع كون البنية واحدة وهي التراب، والناس مختلفون في الألوان واللغات والمذاهب مع كون خلق الإنسان واحد ومن مواد واحدة، وكذلك الدواب وهي كل ما يدب على الأرض وفيه الحياة وخاصة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم. وفيه بيان أن الذي يستفيد من النظر في آيات الله الكونية عامة وآية الخلق المتنوع خاصة إنما هم العلماء المحققون الذين ينظرون في وظائف الأشياء وحركتها ولا يقفون عند التشريح الظاهري لها، وبالاصطلاح الحديث هم علماء الفيسيولوجيا وليس علماء التشريح الوصفي. فقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء﴾ هذه الرؤية رؤية القلب والعلم، أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل (فأخرجنا به) يعني: بالماء ﴿ثمرات مختلفا ألوانها﴾ يعني: متفاوتة باللون وغيره من الاختلافات ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها﴾ الجدد جمع جدة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان الجميع حجرا أو ترابا. وقيل: إن الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته (وغرابيب سود) والغربيب الشديد السواد، ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب، والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. ﴿ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه﴾ يعني: فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك، وكل ذلك دليل على الخالق القدير (كذلك) هنا تمام الكلام، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم استأنف فقال: ﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، قال ابن عباس: الذين علموا أن الله على كل شئ قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. وقيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها ﴿إن الله عزيز غفور﴾ تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى.
(29) و (30) قوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور﴾. ولأن الناس يحبون التجارة بالفطرة ويحاولون أن تكون تجارتهم رابحة بالفكر والنظر فإن الله تعالى يدلنا في هاتين الآيتين على أركان التجارة الرابحة وهي: القرآن، والصلاة، والإنفاق. القرآن: تلاوة وتدبرا وفهما وعملا به. والصلاة: إقامة لها ومداومة عليها مع الانتفاع بتهذيبها للنفس البشرية. والإنفاق في سبيل الله: بالسر والعلن، وبالفرض والنفل، وبالكثير والقليل، وبالجيد والرديء. فقوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ إشارة إلى الذكر (وأقاموا الصلاة) إشارة إلى العمل البدني ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ إشارة إلى العمل المالي. فهذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون صلاة الفرض والنفل، وكذا في الإنفاق ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ يعني: لن تخسر. قال الرازي في التفسير: «وفي الآيتين حكمة بالغة، فقوله: ﴿إنما يخشى الله﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ إشارة إلى عمل اللسان، وقوله: ﴿وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله والشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكا إذا رأى عبدا من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم، وإلى هذا أشار بقوله: (عبدي مرضت فما عدتني، فيقول العبد: كيف تمرض وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته لوجدتني عنده) يعني التعظيم متعلق بالشفقة، فحيث لا شفقة على خلق الله لا تعظيم لجانب الله. وقوله تعالى: (سرا وعلانية) حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سرا فذاك ونعم وإلا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء، ويمكن أن يكون المراد بقوله: (سرا) أي صدقة (وعلانية) أي زكاة، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. وقوله تعالى: ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله، فإن غير الله بائر والتاجر فيه تجارته بائرة». وقوله تعالى: (ليوفيهم أجورهم) يعني: ما يتوقعونه ولو كان أمرا بالغ الغاية ﴿ويزيدهم من فضله﴾ يعني: يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل، وقيل: الزيادة الشفاعة في الآخرة، ويحتمل أن تكون الزيادة النظر إليه تعالى يوم القيامة كما جاء في تفسير الزيادة (إنه غفور) عند إعطاء الأجور (شكور) عند إعطاء الزيادة. وقيل: (إنه غفور) للذنوب (شكور) يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب.