ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتࣱ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيࣰّا كَبِيرࣰا 34
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرا﴾ [النساء: 34-35]
(1) هذه الآيات من كتاب الله تعني بالأسرة كغيرها من الآيات, وهذه العناية بالأسرة لا نجدها في المناهج الأخرى كما نجدها في المنهج الإسلامي وذلك لأنّ الإسلام اعتنى بالأسرة وبين حقوق وواجبات ودور كل فرد من أفرادها، كما اعتنى بمشاكلها العامة بحثا وتمحيصا وعلاجا كل ذلك في إطار من الإيمان بالله والحرص على محبته ورضاه، وتأتي أهمية الأسرة في الإسلام باعتبارها إحدى المؤسسات التربوية إضافة إلى غيرها من المؤسسات التربوية كمؤسسة المدرسة ومؤسسة المسجد ومؤسسة المجتمع بشكل عام في شوارعه ومحلاته وأماكن عمله وأماكن راحته، ومؤسسة الأسرة هي المؤسسة الأهم لسببين: (الأول) أنها المؤسسة الأولى التي يولد فيها الإنسان ويتلقى فيها تربيته وإعداده في مراحل الطفولة الأولى وهي مراحل حساسة في تاريخ الإنسان. (والثاني) أنّ الإنسان يقضي في هذه المؤسسة معظم حياته, ففي مرحلة الطفولة حتى سن المدرسة يتربى الإنسان في مؤسسة الأسرة لا يشارك في تربيته سوى هذه المؤسسة، وفي المراحل الأخرى يظل على اتصال بهذه المؤسسة مهما انتمى لغيرها من المؤسسات وخاصة في المجتمعات الريفية حيث يبقى الفرد على اتصال بهذه المؤسسة حتى بعد الزواج والإنجاب.
(2) قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم﴾. وفي هذه المؤسسة، مؤسسة الأسرة، كغيرها من المؤسسات لابد لها من أمير وحاكم ورئيس وإلا كان مآلها إلى الفشل في أداء دورها التربوي, والإسلام يجعل هذا الأمير للمؤسسة هو الزوج. وهذا الذي نفهمه من قوله تعالى: (قَوَّامُون) فهي لفظة مشتقة من القيام بالأمر لإصلاحه وتدبيره، وهي تعني كما قال المفسرون: أمراء، قال ابن عباس: «يعني: أمراء, عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته, وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله» (الطبري)، والقوامة هنا شبيهة بالربوبية ومنه يقال للزوج: رب الأسرة، ولهذا نقول: إنّ القوامة تحمل معنى التربية، وهذا ما ذهب إليه المفسرون حيث قال السُدّي: «يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن» (الطبري)، وقال الطبري: «الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم»، وقال القرطبي: «دلت هذه الآية على تأديب الرجال لنسائهم, فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها, وقوام: فقال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد, فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد, وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز, وأنّ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية». وقد علل القرآن هذه القوامة للرجل على المرأة في الأسرة بأمرين: (الأول) خصائص الرجال ومزاياهم: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾. (والثاني) النفقة: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم﴾. وإذا كان المراد من النفقة المهر والإنفاق على الأسرة في مجال الطعام والشراب واللباس والسكن وغير ذلك، فإنّ المراد من الخصائص والمزايا هي السمة العامة في الرجال من حيث الخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتفكير قبل الإقدام على الحركة , بينما السمة العامة للإناث الرقة والعطف وسرعة الانفعال والاستجابة وقلة الوعي والتفكير, ولهذين السببين كان الرجال أولى بالقوامة من المرأة في أمر الأسرة.
(3) قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه﴾. المراد من وصف المرأة بهذه الصفات هو الترغيب والحض لكل مسلمة على أن تتصف بها فكأنه يقول: عليهن أن يكن كذلك, وإنما جاء الطلب هنا في صيغة الخبر تأكيدا له وترغيبا فيه حتى كأنه قد حصل، وهذه الصفات هي صفات المرأة المسلمة المؤهلة لأن تكون زوجة وأن تكون أمّا وأن تمارس دورها في تربية الأطفال وبناء المجتمع, ومعنى (الصالحات) يعني: المستقيمات في الدين والعاملات للخير والعاملات بطاعة الله, (قانتات) يعني: مطيعات لله ومطيعات للأزواج في غير معصية الله, ﴿حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ يعني: حافظات لأنفسهنّ وأموال أزواجهن في غيبة أزواجهن وذلك مقابل حفظ الله لهن, أي: من أرادت أن تشكر الله على حفظه لها فعليها أن تحفظ مال زوجها ونفسها في غيبة زوجها. وفي الحديث الشريف ما يدل على الترغيب للمرأة بأن تتصف بهذه الصفات، والترغيب للرجل بالبحث عن المرأة التي تتصف بهذه الصفات والمحافظة عليها فهي كنز من كنوز الدنيا, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك، ثم تلا هذه الآية» (الطبري)، وقال أيضا: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فلاجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئت» (أحمد).
(4) قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن﴾. أصل النشور في اللغة الاستعلاء، ومنه يقال للأرض المرتفعة ناشز, والمراد به هنا استعلاء المرأة على زوجها ومعصيتها له سواء بالقول أم بالفعل, والإسلام لا ينتظر النشوز حتى يظهر ويكتمل وإنما يبادر إلى علاج النشوز حين تظهر أماراته والدلالات عليه، ومن هنا خاطب الأزواج بأن قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن﴾ يعني: إذا ظهرت علامات النشوز فبادر إلى العلاج، لأنّ العلاج نادرا ما يكون نافعا ومفيدا حين يقع النشوز بشكل واضح وكامل.
(5) قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن﴾. ذكر القرآن هنا ثلاثة أساليب تربوية لعلاج النشوز من قبل الزوجة وهي: الوعظ , والهجر في المضاجع, والضرب, والبدء في معالجة النشوز يكون أولا بالوعظ, وفي حال عدم الجدوى ننتقل إلى الهجران في المضاجع, وفي حال عدم الجدوى ننتقل إلى الضرب, قال الإمام الرازي: «وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريقة الأخف وجب الاكتفاء به, ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم».
(أولا) الوعظ يعني تذكير المرأة بالله وتخويفها من وعيده تعالى على معصيتها لزوجها, وترغيبها في طاعة الزوج بناء على ما أمر الله به المرأة من طاعتها لزوجها وحسن صحبته وجميل معاشرته, ومن الوعظ تذكيرها بقوله تعالى في صفة المرأة المسلمة: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَات) أي: مطيعات, وتذكيرها بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب طاعة المرأة لزوجها كقوله صلى الله عليه وسلم : «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» (الطبري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فلاجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئت» (أحمد)، وقوله: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها, لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها» (ابن ماجة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح» (البخاري)، وفي رواية: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (مسلم).
(ثانيا) والهجران في المضاجع يعني أن ينام معها في نفس الفراش ولا يجامعها ويوليها ظهره ولا يكلمها, قال ابن عباس: «يعني بالهجران: أن يكون الرجل وامرأته في فراش واحد ولا يجامعها» (الطبري), وليس الهجران في المضاجع أن ينام الرجل في فراش وامرأته في فراش لأنه لو أراد ذلك لقال: واهجروا مضاجعتهن، ولكنه تعالى قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع﴾ أي: ينام معها في نفس الفراش ولا يجامعها, لأنّ المراد من الهجران في المضاجع هو العقوبة والتأديب والتربية وذلك يحصل بشكل أفضل بالطريقة التي ذكرناها، وهذه الطريقة في التأديب والتربية تحتاج إلى فهم دقيق لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، ولدقة شديدة في التطبيق حتى تؤتي أكلها, والخطأ في التطبيق ربما أدى إلى نتيجة معاكسة.
(ثالثا) وأما الضرب فهو الوسيلة الأشد والأقصى من هذه الوسائل التربوية, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة هذا الضرب أنه غير مُبرّح: «فاضربوهن ضربا غير مبرح» (مسلم)، وقد فسر المفسرون والفقهاء هذا الضرب غير المُبرّح بأنه الضرب الذي لا يكسر عظما ولا يخدش لحما, فهو ضرب تربوي المراد منه التخويف والردع والزجر عن النشوز وليس المراد منه الإيذاء أو إنفاذ الغضب، وترك الضرب أولى, قال الرازي: «قال الشافعي رحمه الله: والضرب مباح وتركه أفضل»، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا إماء الله»، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذئرت النساء على أزواجهن»، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن, فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن, ليس أولئك بخياركم» (أبو داود)، فدل هذا الحديث على أن الضرب وإن كان مباحا فإنّ تركه أفضل وأولى. ومهما كانت أساليب القرآن في تربية المرأة في حال النشور فإنّ وصية الإسلام في المرأة أنها أمانة عند الرجل عليه أن يحسن معاشرتها ويتق الله فيها، فليست المرأة ندا له يحاول إهانتها وتكسير رأسها كما يقول بعض الجهلة من المسلمين, وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء, فإنهنّ عندكم عوان, ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه, فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح, ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (مسلم), وفي السنن عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله, ما حق امرأة أحدنا علينا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تطعمها إذا طعمت, وأن تكسوها إذا اكتسيت, وأن لا تضرب الوجه, ولا تقبّح, ولا تهجر إلا في البيت» (أبو داود).
(6) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾. أي: إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يهجرها في المضجع وليس له أن يضربها, وهذا يدل على أنّ الهجران والضرب ليسا مرادين لذاتهما وإنما هما بمثابة وسائل تربوية تستخدم حين النشوز ولا سبيل إلى استخدامها في حال الطاعة.
(7) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيرا﴾. المدلول التربوي لهذه الآية هو تهديد الأزواج وتخويفهم من البغي على الزوجات بأن يضرب الرجل امرأته من دون نشوز منها، ويتعلل عليها العلل لممارسة هذا الضرب, وفيه تذكير بأنّ الله الذي أقدر الزوج على ضرب زوجته قادر على معاقبة الزوج في حال ظلمه أو بغيه.
(8) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾. هذه هي الوسيلة الرابعة والأخيرة لعلاج حالة الشقاق بين الزوج والزوجة، وهي التحكيم أي: هي الوسيلة الأخيرة حين لا تجدي الوسائل السابقة، وقيل: هي حالة أخرى وهي حالة النفور والنشوز من الزوجين, وأيا كان يلاحظ حرص الإسلام على عدم المسارعة إلى فصم عقدة النكاح لما في ذلك من تحطيم لتلك المؤسسة حيث ينعكس هذا التحطيم على الأولاد الذين لا ذنب لهم، وينعكس على المجتمع لأنّ الأولاد هم لبنات في هذا المجتمع يفسد بفسادهم ويصلح بصلاحهم.
(9) قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ترغيب في إرادة الصلاح من وسيلة التحكيم وذلك من خلال الوعد بتوفيق الله, وهذا خطاب للزوجين كما إنه خطاب للحكمين.
(10) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرا﴾. فيه وعيد للزوجين والحكمين في محاولتهم التحكيم، والسعي للإصلاح من خلال التذكير بعلمه تعالى لما في الضمائر وخبرته بالناس فلا يخفى عليه خافيه ويجازي كلا بعمله, الإحسان بالإحسان, والإساءة بالعقاب أو الغفران.
(1) هذه الآيات من كتاب الله تعني بالأسرة كغيرها من الآيات, وهذه العناية بالأسرة لا نجدها في المناهج الأخرى كما نجدها في المنهج الإسلامي وذلك لأنّ الإسلام اعتنى بالأسرة وبين حقوق وواجبات ودور كل فرد من أفرادها، كما اعتنى بمشاكلها العامة بحثا وتمحيصا وعلاجا كل ذلك في إطار من الإيمان بالله والحرص على محبته ورضاه، وتأتي أهمية الأسرة في الإسلام باعتبارها إحدى المؤسسات التربوية إضافة إلى غيرها من المؤسسات التربوية كمؤسسة المدرسة ومؤسسة المسجد ومؤسسة المجتمع بشكل عام في شوارعه ومحلاته وأماكن عمله وأماكن راحته، ومؤسسة الأسرة هي المؤسسة الأهم لسببين: (الأول) أنها المؤسسة الأولى التي يولد فيها الإنسان ويتلقى فيها تربيته وإعداده في مراحل الطفولة الأولى وهي مراحل حساسة في تاريخ الإنسان. (والثاني) أنّ الإنسان يقضي في هذه المؤسسة معظم حياته, ففي مرحلة الطفولة حتى سن المدرسة يتربى الإنسان في مؤسسة الأسرة لا يشارك في تربيته سوى هذه المؤسسة، وفي المراحل الأخرى يظل على اتصال بهذه المؤسسة مهما انتمى لغيرها من المؤسسات وخاصة في المجتمعات الريفية حيث يبقى الفرد على اتصال بهذه المؤسسة حتى بعد الزواج والإنجاب.
(2) قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم﴾. وفي هذه المؤسسة، مؤسسة الأسرة، كغيرها من المؤسسات لابد لها من أمير وحاكم ورئيس وإلا كان مآلها إلى الفشل في أداء دورها التربوي, والإسلام يجعل هذا الأمير للمؤسسة هو الزوج. وهذا الذي نفهمه من قوله تعالى: (قَوَّامُون) فهي لفظة مشتقة من القيام بالأمر لإصلاحه وتدبيره، وهي تعني كما قال المفسرون: أمراء، قال ابن عباس: «يعني: أمراء, عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته, وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله» (الطبري)، والقوامة هنا شبيهة بالربوبية ومنه يقال للزوج: رب الأسرة، ولهذا نقول: إنّ القوامة تحمل معنى التربية، وهذا ما ذهب إليه المفسرون حيث قال السُدّي: «يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن» (الطبري)، وقال الطبري: «الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم»، وقال القرطبي: «دلت هذه الآية على تأديب الرجال لنسائهم, فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها, وقوام: فقال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد, فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد, وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز, وأنّ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية». وقد علل القرآن هذه القوامة للرجل على المرأة في الأسرة بأمرين: (الأول) خصائص الرجال ومزاياهم: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾. (والثاني) النفقة: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم﴾. وإذا كان المراد من النفقة المهر والإنفاق على الأسرة في مجال الطعام والشراب واللباس والسكن وغير ذلك، فإنّ المراد من الخصائص والمزايا هي السمة العامة في الرجال من حيث الخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتفكير قبل الإقدام على الحركة , بينما السمة العامة للإناث الرقة والعطف وسرعة الانفعال والاستجابة وقلة الوعي والتفكير, ولهذين السببين كان الرجال أولى بالقوامة من المرأة في أمر الأسرة.
(3) قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه﴾. المراد من وصف المرأة بهذه الصفات هو الترغيب والحض لكل مسلمة على أن تتصف بها فكأنه يقول: عليهن أن يكن كذلك, وإنما جاء الطلب هنا في صيغة الخبر تأكيدا له وترغيبا فيه حتى كأنه قد حصل، وهذه الصفات هي صفات المرأة المسلمة المؤهلة لأن تكون زوجة وأن تكون أمّا وأن تمارس دورها في تربية الأطفال وبناء المجتمع, ومعنى (الصالحات) يعني: المستقيمات في الدين والعاملات للخير والعاملات بطاعة الله, (قانتات) يعني: مطيعات لله ومطيعات للأزواج في غير معصية الله, ﴿حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ يعني: حافظات لأنفسهنّ وأموال أزواجهن في غيبة أزواجهن وذلك مقابل حفظ الله لهن, أي: من أرادت أن تشكر الله على حفظه لها فعليها أن تحفظ مال زوجها ونفسها في غيبة زوجها. وفي الحديث الشريف ما يدل على الترغيب للمرأة بأن تتصف بهذه الصفات، والترغيب للرجل بالبحث عن المرأة التي تتصف بهذه الصفات والمحافظة عليها فهي كنز من كنوز الدنيا, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك، ثم تلا هذه الآية» (الطبري)، وقال أيضا: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فلاجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئت» (أحمد).
(4) قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن﴾. أصل النشور في اللغة الاستعلاء، ومنه يقال للأرض المرتفعة ناشز, والمراد به هنا استعلاء المرأة على زوجها ومعصيتها له سواء بالقول أم بالفعل, والإسلام لا ينتظر النشوز حتى يظهر ويكتمل وإنما يبادر إلى علاج النشوز حين تظهر أماراته والدلالات عليه، ومن هنا خاطب الأزواج بأن قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن﴾ يعني: إذا ظهرت علامات النشوز فبادر إلى العلاج، لأنّ العلاج نادرا ما يكون نافعا ومفيدا حين يقع النشوز بشكل واضح وكامل.
(5) قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن﴾. ذكر القرآن هنا ثلاثة أساليب تربوية لعلاج النشوز من قبل الزوجة وهي: الوعظ , والهجر في المضاجع, والضرب, والبدء في معالجة النشوز يكون أولا بالوعظ, وفي حال عدم الجدوى ننتقل إلى الهجران في المضاجع, وفي حال عدم الجدوى ننتقل إلى الضرب, قال الإمام الرازي: «وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريقة الأخف وجب الاكتفاء به, ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم».
(أولا) الوعظ يعني تذكير المرأة بالله وتخويفها من وعيده تعالى على معصيتها لزوجها, وترغيبها في طاعة الزوج بناء على ما أمر الله به المرأة من طاعتها لزوجها وحسن صحبته وجميل معاشرته, ومن الوعظ تذكيرها بقوله تعالى في صفة المرأة المسلمة: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَات) أي: مطيعات, وتذكيرها بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب طاعة المرأة لزوجها كقوله صلى الله عليه وسلم : «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» (الطبري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فلاجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئت» (أحمد)، وقوله: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها, لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها» (ابن ماجة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح» (البخاري)، وفي رواية: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (مسلم).
(ثانيا) والهجران في المضاجع يعني أن ينام معها في نفس الفراش ولا يجامعها ويوليها ظهره ولا يكلمها, قال ابن عباس: «يعني بالهجران: أن يكون الرجل وامرأته في فراش واحد ولا يجامعها» (الطبري), وليس الهجران في المضاجع أن ينام الرجل في فراش وامرأته في فراش لأنه لو أراد ذلك لقال: واهجروا مضاجعتهن، ولكنه تعالى قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع﴾ أي: ينام معها في نفس الفراش ولا يجامعها, لأنّ المراد من الهجران في المضاجع هو العقوبة والتأديب والتربية وذلك يحصل بشكل أفضل بالطريقة التي ذكرناها، وهذه الطريقة في التأديب والتربية تحتاج إلى فهم دقيق لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، ولدقة شديدة في التطبيق حتى تؤتي أكلها, والخطأ في التطبيق ربما أدى إلى نتيجة معاكسة.
(ثالثا) وأما الضرب فهو الوسيلة الأشد والأقصى من هذه الوسائل التربوية, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة هذا الضرب أنه غير مُبرّح: «فاضربوهن ضربا غير مبرح» (مسلم)، وقد فسر المفسرون والفقهاء هذا الضرب غير المُبرّح بأنه الضرب الذي لا يكسر عظما ولا يخدش لحما, فهو ضرب تربوي المراد منه التخويف والردع والزجر عن النشوز وليس المراد منه الإيذاء أو إنفاذ الغضب، وترك الضرب أولى, قال الرازي: «قال الشافعي رحمه الله: والضرب مباح وتركه أفضل»، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا إماء الله»، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذئرت النساء على أزواجهن»، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن, فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن, ليس أولئك بخياركم» (أبو داود)، فدل هذا الحديث على أن الضرب وإن كان مباحا فإنّ تركه أفضل وأولى. ومهما كانت أساليب القرآن في تربية المرأة في حال النشور فإنّ وصية الإسلام في المرأة أنها أمانة عند الرجل عليه أن يحسن معاشرتها ويتق الله فيها، فليست المرأة ندا له يحاول إهانتها وتكسير رأسها كما يقول بعض الجهلة من المسلمين, وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء, فإنهنّ عندكم عوان, ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه, فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح, ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (مسلم), وفي السنن عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله, ما حق امرأة أحدنا علينا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تطعمها إذا طعمت, وأن تكسوها إذا اكتسيت, وأن لا تضرب الوجه, ولا تقبّح, ولا تهجر إلا في البيت» (أبو داود).
(6) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾. أي: إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يهجرها في المضجع وليس له أن يضربها, وهذا يدل على أنّ الهجران والضرب ليسا مرادين لذاتهما وإنما هما بمثابة وسائل تربوية تستخدم حين النشوز ولا سبيل إلى استخدامها في حال الطاعة.
(7) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيرا﴾. المدلول التربوي لهذه الآية هو تهديد الأزواج وتخويفهم من البغي على الزوجات بأن يضرب الرجل امرأته من دون نشوز منها، ويتعلل عليها العلل لممارسة هذا الضرب, وفيه تذكير بأنّ الله الذي أقدر الزوج على ضرب زوجته قادر على معاقبة الزوج في حال ظلمه أو بغيه.
(8) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾. هذه هي الوسيلة الرابعة والأخيرة لعلاج حالة الشقاق بين الزوج والزوجة، وهي التحكيم أي: هي الوسيلة الأخيرة حين لا تجدي الوسائل السابقة، وقيل: هي حالة أخرى وهي حالة النفور والنشوز من الزوجين, وأيا كان يلاحظ حرص الإسلام على عدم المسارعة إلى فصم عقدة النكاح لما في ذلك من تحطيم لتلك المؤسسة حيث ينعكس هذا التحطيم على الأولاد الذين لا ذنب لهم، وينعكس على المجتمع لأنّ الأولاد هم لبنات في هذا المجتمع يفسد بفسادهم ويصلح بصلاحهم.
(9) قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ترغيب في إرادة الصلاح من وسيلة التحكيم وذلك من خلال الوعد بتوفيق الله, وهذا خطاب للزوجين كما إنه خطاب للحكمين.
(10) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرا﴾. فيه وعيد للزوجين والحكمين في محاولتهم التحكيم، والسعي للإصلاح من خلال التذكير بعلمه تعالى لما في الضمائر وخبرته بالناس فلا يخفى عليه خافيه ويجازي كلا بعمله, الإحسان بالإحسان, والإساءة بالعقاب أو الغفران.