ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا 34 وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا 35 ۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا 36 ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا 37
الصفحة 84

تفسير سورة النساء - الآية 37

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابࣰا مُّهِينࣰا 37

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما﴾ [النساء: 37-40]
(1) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا﴾. لما تكلم في الآية السابقة عن الإحسان، وهو يحمل معنى فعل الواجب، ورغب فيه تكلم هنا عن عكسه وهو البخل، وهو منع الواجب وقيل: أن يمنع الإنسان السائل ما لديه ولديه فضل في ذلك. واعلم أنه تعالى تكلم هنا في ثلاث أحوال مذمومة: (أولها) أن يكون الإنسان بخيلا، وهو المراد بقوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُون). (وثانيها) أن يأمر الإنسان غيره بالبخل وهو المراد بقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْل﴾ وهذه درجة القمة في حب البخل حيث يصبح البخل مبدأ يدعو إليه الناس. (وثالثها) ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ أي: يوهمون الناس أنهم فقراء وهم أغنياء, وأنهم في إعسار وهم في يسار, وأنهم عاجزون وهم قادرون, وهذا الكتمان قد يوجب الشكاية على الله وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وبهذا يصل البخل بصاحبه إلى الكفر، ولذلك قال في ختام هذه الآية: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا﴾. ومع أن هذه الآية عامة في ذم البخل ومن يتصف به، وهذا ما يتسق مع الآية السابقة، إلا أنّ بعض المفسرين من السلف قالوا: إنها في اليهود وحملوا البخل على كتمان العلم وكتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: «وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك. ولا شك أنّ الآية محتملة لذلك، والظاهر أنّ السياق بالبخل بالمال وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريقه الأولى، فإنّ السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء وكذلك الآية التي بعدها». وفي هذه الآية نلمح أسلوب التربية بالترهيب من العقوبة الأخروية حيث قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا﴾، حيث إنه لا عقوبة دنيوية على البخل سوى الذم والتوبيخ.
(2) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فيه ترغيب لمن ينفق أمواله على الناس بأن يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر، وترهيب من الحالة المعاكسة حيث ينال المنفق جزاء من الناس ولا جزاء له يوم القيامة، وهكذا يتحدد بأن قاعدة الحساب والجزاء هي الإيمان وفي حال غيابه فلا حساب ولا جزاء ولا ثواب, وفي الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: «إنّ أباك أراد أمرا فبلغه» (أحمد)، أي: أن يقال كريم وجواد وقد قيل ذلك حتى صار حاتم الطائي مضرب مثل في الكرم, وفي حديث آخر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: «لا, إنه لم يقل يوما من الدهر ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (مسلم).
(3) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِينا﴾. ترهيب من الإنفاق رياء وسمعة من دون إيمان بالله واليوم الآخر، وذلك من خلال البيان بأن هذا الفعل من تأثير الشيطان على الإنسان, فالشيطان قرين لصاحب هذه الأفعال قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِين﴾ [الزخرف: 36].
(4) قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّه﴾. استفهام بمعنى الإنكار، والاستفهام الإنكاري أبلغ تربويا في تقرير الحقائق ونفيها من التقرير الإخباري العادي, وفي هذه الآية ترغيب للناس على الإنفاق على أساس من الإيمان بالله واليوم الآخر كي يثاب المنفق على فعله, وفي قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّه﴾ تذكير بأنّ ما لدى الإنسان من مال فهو من رزق الله، فلماذا ينفق رزق الله في غير سبيله؟ ولماذا ينفق رزق الله على أساس من الكفر بالله ومعاده؟ وفيها كشف لهذا التناقض الصارخ العجيب الذي يعيشه المرء المراؤون بالنفقات.
(5) قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيما﴾. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «والمعنى أن القصد إلى الرياء إنما يكون باطنا غير ظاهر, فبيّن تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها, فإنّ الإنسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من أفعال القلوب, مثل داعية النفاق والرياء والسمعة».
(6) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما﴾. ترغيب في الإيمان، وفي الطاعة والعمل الصالح على أساس من الإيمان مهما قلّ هذا العمل, وقد اشتملت هذه الآية على الوعد بثلاثة أمور:
(الأول) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾، والذرة كناية عن الشيء الزهيد وعن أقل الأشياء وزنا وقيمة, قال ابن عباس: «الذرة: رأس نملة حمراء» (الطبري)، وفي حديث الشفاعة الطويل: «فيقول الله عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه من النار» (مسلم)، والمراد من هذه النصوص الترغيب في الإيمان والعمل الصالح مهما قل وأن لا يحقر الإنسان من المعروف شيئا فإن ذلك عند الله لا يضيع.
(والثاني) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، وهذا أيضا ترغيب في فعل الخير وذلك أنّ الله يثيب على الحسنة ليس بمثلها وإنما يضاعف هذا الثواب, قال أبو عثمان النهدي: «بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إنّ الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفَ ألف حسنة, فلقيته، فقلت له: بلغني عنك أنك قلت: إنّ الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة, قال أبو هريرة: لم أقل ذلك ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف, ثم تلا هذه الآية» (أحمد)، وقال عبد الله بن مسعود: «يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادي على رؤوس الأولين و الآخرين: هذا فلان ابن فلا ن, من كان له عليه حق فليأت إلى حقه, ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم, فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها, فإذا بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته» (الطبري)، وقال الحسن البصري في المدلول التربوي الترغيبي لهذه الآية: «قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، هذا أحب إلى العلماء مما لو قال: في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة, لأنّ ذلك الكلام يكون مقدارا معلوما, أما على هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلا الله تعالى، وهو كقوله في ليلة القدر: إنها خير من ألف شهر» (الطبري).
(والثالث) قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما﴾، قال عبد الله بن مسعود: «الأجر العظيم هو الجنة» (الطبري)، قلت: العظيم عند الله ليس كالعظيم عندنا, والله وصف الأجر بأنه عظيم عنده, فتفكر كم هو هذا الأجر أخي المسلم, ولا تيأس من رحمة الله, ولا تقنط من فضله تعالى. قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «اعلم أنه لا بد من الفرق بين قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما﴾، وبين قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، والذي يخطر ببالي والعلم عند الله, أنّ ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب, وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب, والظاهر أنّ ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة, وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية, وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة, وإنما خص هذا النوع بقوله (من لدنه) لأنّ هذا النوع من الغبطة والسعادة و البهجة والكمال, لا ينال بالأعمال الجسمانية, بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور, وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية».
فهرس الكتاب