يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسࣱ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 90
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ [المائدة: 90-92]
(1) في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها يقول الإمام الرازي: «اعلم أنّ هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ إلى قوله ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾ ثم لمّا كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات، بل في المحرمات».
(2) هذه الآيات في تحريم شرب الخمر واللعب بالميسر والذبح للأنصاب والاستقسام بالأزلام، وقد سلك السياق القرآني في تحريم هذه الأشياء مجموعة من الترهيبات لجعل المسلم ينفر منها ويبتعد عنها، وهي في نفس الوقت دلائل على تحريم الخمر والميسر: (الأول) تصدير الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فإنه تعالى يربط بين الإيمان وبين ترك التعاطي بهذه المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنّ مقتضى الإيمان به هو ترك ما حرم علينا، فإن لم نترك ما حرم علينا كان هناك شك في إيماننا. (الثاني) قوله تعالى: (إنما)، وهي أداة حصر تثبت ما بعدها وتنفي ما عداه، فكأنه تعالى يقول: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأشياء الأربعة. (الثالث) قرن الله تعالى بين الخمر والميسر من جهة وبين الذبح للأنصاب والاستقسام بالأزلام من جهة أخرى، أي: قرن بين الخمر والميسر وعبادة الأوثان للترهيب منهما والتأكيد على شدة حرمتهما. (الرابع) قوله تعالى عنهما (رِجْس)، أي: نجس ونتن وإثم. (الخامس) قوله تعالى ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان﴾، والمؤمن من يبتعد عن عمل الشيطان لأنّ الشيطان قد أبان عن عداوته للإنسان. (السادس) قوله تعالى (فَاجْتَنِبُوه) وهو أقوى من التحريم، فالتحريم يعني منع الشيء نفسه والاجتناب يعني تحريم الوسائل المؤدية إلى الشيء إضافة إلى تحريم الشيء نفسه. (السابع) قوله تعالى: (لعَلكُمْ تُفْلِحُون)، أي: لتفلحوا، فربط الفلاح وهو الفوز بالجنة بترك الخمر والميسر، ومعنى ذلك: إنّ من يتعاطى الخمر ويلعب الميسر ليس من المفلحين يوم القيامة. (الثامن) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر﴾، فرهّب من مفاسد الخمر والميسر في الدنيا حيث يؤديان إلى العداوة والبغضاء بين المؤمنين. (التاسع) قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاة﴾، فرهّب من مفاسد الخمر والميسر في الدين حيث إنّ الخمر والميسر تمنعان المسلم من ذكر الله ومن الصلاة. (العاشر) قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾، وهذا ترهيب شديد من الخمر والميسر جاء في صيغة الاستفهام التقريري، وهو أبلغ أثرا من التقرير العادي. (الحادي عشر) قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾، حيث اعتبر ترك الخمر والميسر من طاعة الله والرسول، فمن تعاطى الخمر والميسر فهو من العصاة لله ولرسوله. (الثاني عشر) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ وهو تهديد عظيم ووعيد شديد لمن يتولى عن طاعة الله وطاعة الرسول في ترك الخمر والميسر، لأنه ليس بعد البلاغ إلا الحساب والعقاب في النار يوم القيامة لمن لم يستفد من البلاغ.
(3) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاة﴾. جمعت هذه الآية مفاسد الخمر والميسر في الدنيا (العداوة والبغضاء) وفي الدين ﴿الصد عن ذكر الله وعن الصلاة﴾. يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «أما الخمر فاعلم أنّ الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها في جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة، إلا أنّ ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد، لأنّ الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسوّل أنّ الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء. وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال، لأنّ من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه يبقى بعد ذلك مسكينا فقيرا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين. فظهر من هذا الوجه أنّ الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أنّ شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم. وأما أنّ شرب الخمر يمنع من ذكر الله فظاهر، لأنّ شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى. وأما أنّ الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فذلك لأنه إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغالبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أنّ هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة».
(4) كانت الخمر عادة متأصلة في المجتمع الذي نزل فيه القرآن، حيث كان شرب الخمر سائدا في المجتمع وقليل من الناس من لا يشرب الخمر، وكانوا يخزنون الخمر في القلال لكثرة شرابهم لها، فكيف عالج القرآن هذه الظاهرة؟ وكيف استطاع القضاء عليها رغم فشل كل المجتمعات التي حاولت القضاء على شرب الخمر؟. نقول في الجواب على ذلك تربويا: سلك القرآن في علاج هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الشريرة المتأصلة في المجتمعات مسلكين: (الأول) بدأ بالعقيدة قبل الشريعة، فنزل القرآن أولا بتصحيح عقيدة الناس ودعوتهم إلى إفراد الله تعالى بالإلهية من خلال التركيز على شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، ومن خلال الآيات التي كانت تنزل وموضوعها الجنة والنار والحساب والجزاء والعقاب، فدعا الناس إلى العبودية لله من خلال التركيز على الإيمان بالله واليوم الآخر، وبعد أن استجاب الناس، وبعد أن رسخت هذه المفاهيم في قلوبهم وأيقنت بها ضمائرهم نزل الحلال والحرام فاتبعوه وعملوا به وسارعوا إلى تطبيقه وتنفيذه مسارعة يشهد لهم التاريخ بها، وهذا المسلك هو الذي لخصته السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: «إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا, ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا» (البخاري)، والمفصّل: هو القسم الأخير من القرآن يبدأ بسورة ق, وقيل: يبدأ بسورة الحجرات، وينتهي بنهاية القرآن, وموضوع سوره الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر أي: العقائد. (والثاني) تدرج القرآن في تحريم الخمر، فلم يحرمه دفعة واحدة بل حرمه على مراحل, والآيات المذكورة أعلاه تشكل المرحلة الرابعة في علاج مشكلة الخمر, كما تدرج القرآن في النذارة والقتال, وقد كانت المرحلة الأولى في علاج الخمر ما ذكره الله عنه في سورة النحل فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [النحل: 67]، فقد ذكر السكر مقابل الرزق الحسن, وهي تثير القلق في نفس المسلم, لأنّ السكر شيء والرزق الحسن شيء آخر, وفي المرحلة الثانية نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، حيث دلت ظاهرة السؤال عن الخمر على الشبهة التي حصلت في نفوس المسلمين تجاه شرب الخمر, ودل الجواب على تثبيت هذه الشبهة بالتصريح بأنّ في الخمر منافع ومضار ولكن حجم المنافع أقل من حجم المضار, وكانت المرحلة الثالثة في علاج الخمر هي تحريم الصلاة في حال السكر، أي: تحريم السكر وقت الصلاة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون﴾ [النساء: 43], وبموجب هذه الآية أصبحت الخمر محرمة في أوقات محددة من اليوم ومباحة في أوقات أخرى, وفي المرحلة الرابعة والأخيرة نزل تحريم الخمر مطلقا وفي كل الأوقات فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: 90]. فلما نزل التحريم بعد هذا التدريج وبعد ذلك التأسيس للعقيدة في النفوس ولحقيقة العبودية لله تعالى, سارع المسلمون إلى الكف عن شرب الخمر حتى أنّ بعضهم سمع التحريم والكأس في يده فلم يتم الحركة برفعها إلى فمه, وألقيت الخمور في الأزقة والشوارع, يقول بُريدة: «بينما نحن قعود على شراب لنا, ونحن على رملة, ونحن ثلاثة أو أربعة, وعندنا باطية لنا, ونحن نشرب الخمر حلا, إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه, وقد نزل تحريم الخمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر) إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾, فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم, وبعض القوم شربته في يده, قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء, فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام, ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا!» (الطبري). وقال أنس بن مالك: «بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة, وأبي عبيدة بن الجراح, ومعاذ بن جبل, وسهيل بن بيضاء, وأبي دجانة, حتى مالت رؤوسهم من خليط بُسر وتمر, فسمعنا مناديا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حرمت! قال: فما دخل علينا داخل وما خرج منا خارج, حتى أهرقنا الشراب, وكسرنا القلال, وتوضأ بعضنا, واغتسل بعضنا, وأصبنا من طيب أم سليم, ثم خرجنا إلى المسجد, وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون» (الطبري).
(1) في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها يقول الإمام الرازي: «اعلم أنّ هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ إلى قوله ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾ ثم لمّا كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات، بل في المحرمات».
(2) هذه الآيات في تحريم شرب الخمر واللعب بالميسر والذبح للأنصاب والاستقسام بالأزلام، وقد سلك السياق القرآني في تحريم هذه الأشياء مجموعة من الترهيبات لجعل المسلم ينفر منها ويبتعد عنها، وهي في نفس الوقت دلائل على تحريم الخمر والميسر: (الأول) تصدير الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فإنه تعالى يربط بين الإيمان وبين ترك التعاطي بهذه المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنّ مقتضى الإيمان به هو ترك ما حرم علينا، فإن لم نترك ما حرم علينا كان هناك شك في إيماننا. (الثاني) قوله تعالى: (إنما)، وهي أداة حصر تثبت ما بعدها وتنفي ما عداه، فكأنه تعالى يقول: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأشياء الأربعة. (الثالث) قرن الله تعالى بين الخمر والميسر من جهة وبين الذبح للأنصاب والاستقسام بالأزلام من جهة أخرى، أي: قرن بين الخمر والميسر وعبادة الأوثان للترهيب منهما والتأكيد على شدة حرمتهما. (الرابع) قوله تعالى عنهما (رِجْس)، أي: نجس ونتن وإثم. (الخامس) قوله تعالى ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان﴾، والمؤمن من يبتعد عن عمل الشيطان لأنّ الشيطان قد أبان عن عداوته للإنسان. (السادس) قوله تعالى (فَاجْتَنِبُوه) وهو أقوى من التحريم، فالتحريم يعني منع الشيء نفسه والاجتناب يعني تحريم الوسائل المؤدية إلى الشيء إضافة إلى تحريم الشيء نفسه. (السابع) قوله تعالى: (لعَلكُمْ تُفْلِحُون)، أي: لتفلحوا، فربط الفلاح وهو الفوز بالجنة بترك الخمر والميسر، ومعنى ذلك: إنّ من يتعاطى الخمر ويلعب الميسر ليس من المفلحين يوم القيامة. (الثامن) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر﴾، فرهّب من مفاسد الخمر والميسر في الدنيا حيث يؤديان إلى العداوة والبغضاء بين المؤمنين. (التاسع) قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاة﴾، فرهّب من مفاسد الخمر والميسر في الدين حيث إنّ الخمر والميسر تمنعان المسلم من ذكر الله ومن الصلاة. (العاشر) قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾، وهذا ترهيب شديد من الخمر والميسر جاء في صيغة الاستفهام التقريري، وهو أبلغ أثرا من التقرير العادي. (الحادي عشر) قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾، حيث اعتبر ترك الخمر والميسر من طاعة الله والرسول، فمن تعاطى الخمر والميسر فهو من العصاة لله ولرسوله. (الثاني عشر) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ وهو تهديد عظيم ووعيد شديد لمن يتولى عن طاعة الله وطاعة الرسول في ترك الخمر والميسر، لأنه ليس بعد البلاغ إلا الحساب والعقاب في النار يوم القيامة لمن لم يستفد من البلاغ.
(3) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاة﴾. جمعت هذه الآية مفاسد الخمر والميسر في الدنيا (العداوة والبغضاء) وفي الدين ﴿الصد عن ذكر الله وعن الصلاة﴾. يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «أما الخمر فاعلم أنّ الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها في جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة، إلا أنّ ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد، لأنّ الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسوّل أنّ الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء. وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال، لأنّ من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه يبقى بعد ذلك مسكينا فقيرا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين. فظهر من هذا الوجه أنّ الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أنّ شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم. وأما أنّ شرب الخمر يمنع من ذكر الله فظاهر، لأنّ شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى. وأما أنّ الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فذلك لأنه إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغالبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أنّ هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة».
(4) كانت الخمر عادة متأصلة في المجتمع الذي نزل فيه القرآن، حيث كان شرب الخمر سائدا في المجتمع وقليل من الناس من لا يشرب الخمر، وكانوا يخزنون الخمر في القلال لكثرة شرابهم لها، فكيف عالج القرآن هذه الظاهرة؟ وكيف استطاع القضاء عليها رغم فشل كل المجتمعات التي حاولت القضاء على شرب الخمر؟. نقول في الجواب على ذلك تربويا: سلك القرآن في علاج هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الشريرة المتأصلة في المجتمعات مسلكين: (الأول) بدأ بالعقيدة قبل الشريعة، فنزل القرآن أولا بتصحيح عقيدة الناس ودعوتهم إلى إفراد الله تعالى بالإلهية من خلال التركيز على شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، ومن خلال الآيات التي كانت تنزل وموضوعها الجنة والنار والحساب والجزاء والعقاب، فدعا الناس إلى العبودية لله من خلال التركيز على الإيمان بالله واليوم الآخر، وبعد أن استجاب الناس، وبعد أن رسخت هذه المفاهيم في قلوبهم وأيقنت بها ضمائرهم نزل الحلال والحرام فاتبعوه وعملوا به وسارعوا إلى تطبيقه وتنفيذه مسارعة يشهد لهم التاريخ بها، وهذا المسلك هو الذي لخصته السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: «إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا, ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا» (البخاري)، والمفصّل: هو القسم الأخير من القرآن يبدأ بسورة ق, وقيل: يبدأ بسورة الحجرات، وينتهي بنهاية القرآن, وموضوع سوره الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر أي: العقائد. (والثاني) تدرج القرآن في تحريم الخمر، فلم يحرمه دفعة واحدة بل حرمه على مراحل, والآيات المذكورة أعلاه تشكل المرحلة الرابعة في علاج مشكلة الخمر, كما تدرج القرآن في النذارة والقتال, وقد كانت المرحلة الأولى في علاج الخمر ما ذكره الله عنه في سورة النحل فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [النحل: 67]، فقد ذكر السكر مقابل الرزق الحسن, وهي تثير القلق في نفس المسلم, لأنّ السكر شيء والرزق الحسن شيء آخر, وفي المرحلة الثانية نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، حيث دلت ظاهرة السؤال عن الخمر على الشبهة التي حصلت في نفوس المسلمين تجاه شرب الخمر, ودل الجواب على تثبيت هذه الشبهة بالتصريح بأنّ في الخمر منافع ومضار ولكن حجم المنافع أقل من حجم المضار, وكانت المرحلة الثالثة في علاج الخمر هي تحريم الصلاة في حال السكر، أي: تحريم السكر وقت الصلاة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون﴾ [النساء: 43], وبموجب هذه الآية أصبحت الخمر محرمة في أوقات محددة من اليوم ومباحة في أوقات أخرى, وفي المرحلة الرابعة والأخيرة نزل تحريم الخمر مطلقا وفي كل الأوقات فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: 90]. فلما نزل التحريم بعد هذا التدريج وبعد ذلك التأسيس للعقيدة في النفوس ولحقيقة العبودية لله تعالى, سارع المسلمون إلى الكف عن شرب الخمر حتى أنّ بعضهم سمع التحريم والكأس في يده فلم يتم الحركة برفعها إلى فمه, وألقيت الخمور في الأزقة والشوارع, يقول بُريدة: «بينما نحن قعود على شراب لنا, ونحن على رملة, ونحن ثلاثة أو أربعة, وعندنا باطية لنا, ونحن نشرب الخمر حلا, إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه, وقد نزل تحريم الخمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر) إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾, فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم, وبعض القوم شربته في يده, قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء, فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام, ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا!» (الطبري). وقال أنس بن مالك: «بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة, وأبي عبيدة بن الجراح, ومعاذ بن جبل, وسهيل بن بيضاء, وأبي دجانة, حتى مالت رؤوسهم من خليط بُسر وتمر, فسمعنا مناديا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حرمت! قال: فما دخل علينا داخل وما خرج منا خارج, حتى أهرقنا الشراب, وكسرنا القلال, وتوضأ بعضنا, واغتسل بعضنا, وأصبنا من طيب أم سليم, ثم خرجنا إلى المسجد, وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون» (الطبري).