فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ 27 قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ 28 قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 29 قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ 30 سورة القلمبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِنٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ 1 مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ 2 وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ 3 وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ 4 فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ 5 بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ 6 إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 7 فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 8 وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ 9 وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ 10 هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ 11 مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ 12 عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ 13 أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ 14 إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 15 سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ 16
الصفحة 564

تفسير سورة القلم - الآية 14

أَن كَانَ ذَا مَالࣲ وَبَنِينَ 14

[القلم: 14-16]
(14) و (15) و (16) قوله تعالى: ﴿أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين. سنسمه على الخرطوم﴾. فيه تحذير من المال والولد باعتبارهما قد يدفعان الناس إلى التكذيب بالرسل وإلى حالة من العنجهية والعزة بالإثم. وفيه تهديد لمن يكذب الرسل بالعقوبة في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: ﴿أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ استفهام والمراد به التوبيخ، والتقدير: يقول عن القرآن أساطير الأولين فيكفر ويستكبر لأنه كثير المال وكثير الأولاد، وأساطير الأولين: أباطيلهم وترهاتهم وخرافاتهم المكتوبة في كتبهم. ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ يعني: سنخطمه على أنفه، وهذا لأن إهانة الوجه من أعظم الإهانة، فقيل: وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف على أنفه فلم يزل مخطوما إلى أن مات، وقيل: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها.
(17ـ 33) قوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين. ولا يستثنون. فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم. فتنادوا مصبحين. أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين. فانطلقوا وهم يتخافتون. أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. وغدوا على حرد قادرين. فلما رأوها قالوا إنا لضالون. بل نحن محرومون. قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون. قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين. عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون. كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾. اعلم أنه تعالى لما قال: لأجل أن كان ذا مال وبنين، جحد وكفر وعصى وتمرد، وكان هذا استفهاما على سبيل الإنكار بين في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان، وليصرفه إلى طاعة الله، وليواظب على شكر نعم الله ، فإن لم يفعل ذلك فإنه تعالى يقطع عنه تلك النعم، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات. وفيه تربية بالقصة حيث ذكر للمخاطبين بهذه السورة قصة قوم فعلوا فعلهم في الباطل فنالوا الجزاء والعقوبة في الدنيا قبل الآخرة. وفيه تحذير من السعي لمنع الفقراء حقهم الواجب في أموال الأغنياء. وفيه تربية على الاستثناء وهو أن يقول المرء: إن شاء الله إذا قال إن سأفعل كذا لما يستقبل من الزمن. وفيه تربية أن الاستثناء يمنع صاحبه من فعل المعصية لأن فيه ذكرا لله وذكر الله يتنافى مع العزم على المعصية. وفيه تربية على لوم النفس بعد فعل المعصية وكذلك لوم الغير إن كان ممن أشار بالمعصية أو شجع عليها. وفيه تربية على استعظام الجرم وإن كان صغيرا لأن الذنوب نسبية. وفيه ترغيب بالتوبة باعتبارها سببا في الرزق. وفيه تحذير من العقوبة الأخروية باعتبارها من جنس العقوبة الدنيوية وإن كانت أعظم في الكم والنوع. وفيه دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان، لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم. وفيه دليل على أن العبد يذنب الذنب فيحرم رزقا كان معدا له. فقوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة﴾ يعني: أهل مكة، والابتلاء الاختبار، والمعنى: أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا وعادوا محمدا صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم. وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء، وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها، فلما مات صارت إلى ولده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها، فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها (إذ أقسموا) يعني: حلفوا (ليصرمنها) يعني: ليقطعن ثمرها (مصبحين) يعني: في آخر الليل لئلا ينتبه المساكين لهم. (ولا يستثنون) يعني: حق المساكين، وقيل: لم يقولوا إن شاء الله. ﴿فطاف عليها طائف من ربك﴾ يعني: من أمر ربك، قيل: جبريل عليه السلام، وقيل: ملك من الملائكة (وهو نائمون) يعني: ليلا. (فأصبحت كالصريم) يعني: كالليل المظلم، وقيل: كالشيء المقطوع المسود الذي لا فائدة منه. (فتنادوا مصبحين) يعني: نادى بعضهم بعضا عند الصباح. ﴿أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين﴾ يعني: عازمين على الصرام وهو الحصاد. ﴿فانطلقوا وهم يتخافتون﴾ يعني: يتسارون، فيخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد. ﴿أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾ يعني: أرادوا منع المساكين حقهم في الزرع. ﴿وغدوا على حرد قادرين﴾ يعني: على قصد وقدرة في أنفسهم ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، والحرد القصد. ﴿فلما رأوها قالوا إنا لضالون﴾ يعني: لما رأوها محترقة لا شئ فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد، أنكروها وشكوا فيها، وقال بعضهم لبعض: قد ضللنا الطريق إلى جنتنا، وقيل: إنا لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا. ﴿بل نحن محرومون﴾ يعني: حرمنا جنتنا بما صنعنا. (قال أوسطهم) يعني: أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ يعني: هلا تستثنون، وكان استثناؤهم تسبيحا، وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه. وقيل: هلا تسبحون الله فتقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. ﴿قالوا سبحان ربنا﴾ يعني: اعترفوا بالمعصية ونزهوا الله عن أن يكون ظالما فيما فعل ﴿إنا كنا ظالمين﴾ يعني: لأنفسنا في منعنا المساكين. ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون﴾ يعني: يلوم بعضهم بعضا في العزم والقسم على منع المساكين. (قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين) يعني: عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. ﴿عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها﴾ يعني: طلبوا ذلك من الله تعالى ﴿إنا إلى ربنا راغبون﴾ يعني: في أداء حق المساكين فيها. (كذلك العذاب) يعني: عذاب الدنيا بهلاك الأموال ﴿ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ يعني: عذاب الآخرة من جنس عذاب الدنيا ولكن مع الفارق الكبير في الكم والنوع.
فهرس الكتاب