وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ 179 وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 180 وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ 181 وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ 182 وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ 183 أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ 184 أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ 185 مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 186 يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 187
الصفحة 174

تفسير سورة الأعراف - الآية 187

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةࣰۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 187

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 187-188]
(1) قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ قل: إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة. يسألونك كأنك حفي عنها! قل: إنما علمها عند الله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. في علاقة هذه الآية بما قبلها من الآيات قال الرازي: «اعلم أن في نظم الآية وجهين: (الأول) أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه بالكلام في المعاد، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة. (الثاني) أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿وأن عسى أن يكون قَد اقترب أجلهم﴾ [الأعراف: 185] باعثا بذلك على المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده: ﴿يسألونك عَنِ الساعة﴾ ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق، فيصير ذلك حاملا للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات». قلت: ورد السؤال عن الساعة في القرآن في ثلاثة مواضع: (الأول) هذه الآية. (والثاني) قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يسألك الناس عن الساعة؟ قل: إنما علمها عند الله، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا﴾ [الأحزاب: 63]. (والثالث) في سورة النازعات: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها. فيم أنت من ذكراها. إلى ربك منتهاها. إنما أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات: 42-46]. وفي المواضع الثلاثة كانت الإجابة من الله تعالى عن بعض صفات الساعة ولم يحدد للناس موعدها ومتى تكون. كما ورد في السنة سؤال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال جبريل: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان» (البخاري ومسلم). والله تعالى لم يحدد للناس وقت الساعة لأن الناس لا يستفيدون من هذا التحديد، فلو قال لهم مثلا إن الساعة تكون سنة 5432م، فأي فائدة تحصل للناس وهم لا يعيشون إلا مائة عام على أشد الحالات من التعمير؟! المهم بالنسبة للسائل ولكل الناس هو متى تكون ساعة كل واحد منهم؟ لأن الإنسان إذا مات دخل في عالم الساعة والقيامة وانتقل من عالم الحياة الدنيا إلى عالم البرزخ والقبر الذي هو مقدمة لعالم الآخرة، والذي هو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وعندما تقوم الساعة يتحول من كان يعيش في القبر إلى الجنة أو النار، فمن كان في روضة من رياض الجنة دخل الجنة، ومن كان في حفرة من حفر النار دخل النار. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يسأل الناس عن الساعة مهم لا يستفيدون من تحديد وقتها؟ والجواب أن السائلين هم إما اليهود وأهل الكتاب، وغايتهم من السؤال إحراج النبي صلى الله عليه وسلم والتشكيك في نبوته من خلال إظهاره بأنه يدعي النبوة ولا يعلم متى الساعة. أو أن السائلين هم المشركون من العرب الذين لا يؤمنون بالساعة أساسا، وغايتهم من السؤال التشكيك بوقوع الساعة من خلال عدم معرفة وقتها ليقولوا للناس لا توجد ساعة ولو كانت موجودة لعلم محمد صلى الله عليه وسلم متى تقع. أو مسلم أمي جاهل يردد سؤالا سمعه من غيره عله يجد جوابا يرد به على السائلين المشككين. والاحتمال الأخير هو أن يكون السائل جبريل عليه السلام كما ورد في الحديث والغاية من السؤال هنا هو التعليم كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث السابق: «يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: لا. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (البخاري ومسلم). ومن القواعد التربوية والتعليمية في الإسلام أنك إذا سألت عن شيء أجابك عليه، وأعطاك معلومات إضافية حول نفس الموضوع تحتاج إليها ولك فيها فائدة مع أنك لم تسأل عنها، وتطبيق هذه القاعدة نجده في السؤال عن الساعة سواء في القرآن أو السنة النبوية، ففي هذه الآية أعلمنا الله تعالى بأشياء لها علاقة بالساعة مع أن السائل يسأل عن وقت حدوثها، وهذه المعلومات هي: (الأول) (ثقلت في السماوات والأرض) أي: وقوعها ثقيل لعظمتها وما يصاحبها من التظاهرات الكونية كانشقاق السماء وتناثر النجوم ونضوب البحار. (والثاني) ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ أي: تحصل فجأة لمن يكون حيا عند وقوعها. (والثالث) ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ أي: كأنك ملح بالمسألة عنها.
(2) قوله تعالى: ﴿قل: لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾. قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: «وليس الأمر أمر الساعة وحده، إنما هو أمر الغيب كله، فلله وحده علم هذا الغيب، لا يُطلع على شيء منه إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء، في الوقت الذي يشاء. لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم! وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير، ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر، ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾. ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد، وأمام ستر الغيب المسدل، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب. والرسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو، وقربه من ربه هو قربه، مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لأنه لا يطلع على الغيب، ولا يعرف الغايات قبل المذاهب، ولا يرى مآل أفعاله، ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيرا أقدم، وإن رآها سوءا أحجم. إنما هو يعمل، والعاقبة تجيء كما قدر الله في غيبه المكنون. وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامي كل خصائص التجريد المطلق من الشرك في أية صورة من صوره، وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها، ولو كان هذا البشر محمدا رسول الله وحبيبه ومصطفاه، عليه صلوات الله وسلامه، فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري. وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحدد وظيفته: ﴿إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾. والرسول صلى الله عليه وسلم نذير وبشير للناس أجمعين، ولكن الذين (يؤمنون) هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة، فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه، وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به، ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين».
فهرس الكتاب