أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 187 وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 188 ۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 189 وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 190
الصفحة 29

أحكام الآية 187 من سورة البقرة

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسࣱ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسࣱ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 187

قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187].
اتفقوا على أن هذه الآية ناسخة، واختلفوا في المنسوخ هل كان ثابتًا بالسنة أو القرآن؟ فذهب بعضهم إلى أنهم كانوا في أول الإسلام إذا نام أحدهم ليلة الصيام لم يحل له الأكل ولا الجماع بعد ذلك، فنسخ ذلك هذه الآية. وذهب أبو العالية، وعطاء إلى أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ﴾ يقتضي أنه كان محرمًا قبل ذلك.

وقوله: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: 187].
الليلة هنا اسم جنس، ولذلك أفردها ومثل هذا في كلام العرب كثير. و ﴿الرَّفَثُ﴾ في الليلة كناية عن الجماع وأصله في غيرها الفحش من القول. وقال أبو إسحاق: الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس وجماع. وقال بعضهم: أو كلام في هذه المعاني. و ((اللباس))
أصله في [اللغة] الثياب، ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما بذلك كما قال النابغة:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها... تداعت فكانت عليه لباسا
وقيل: لباس سكن أي يسكن بعضهم إلى بعض.

وقوله: ﴿وباشروهن﴾ [البقرة: 187].
والمباشرة عبارة عن إمساس البشرة فيقع تحتها الجماع، والقبلة، والجس باليد. وقال بعضهم إن وقوعه على الجماع مجاز، وليس بصحيح لما قدمته، بل هو واقع عليه بالحقيقة، فأباح الله تعالى بهذه الآية جميع أنواع المباشرة إلى تبين الفجر، ثم وقع المنع بعد ذلك في الجماع. وهل يجب الاعتزال عن القبلة أم لا؟ ثلاثة أقوال، ويفرق في الثالث بين الشيخ والشاب. واتفقوا على أنها لا يقع بها فطر منا يقع بالجماع ما لم يقترن بها إنزال. وإذا فسرت المباشرة بالجماع لم يمتنع من القبلة إلا مع خوف الإنزال. والمراد بالأمر الإباحة لا الإيجاب ولا الندب كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.

وكذلك قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187].
وقد اختلف في معناه، فقيل ابتغوا الولد، وقيل: ابتغوا ليلة القدر، وقيل: ابتغوا الرخصة والتوسعة، وقيل: ابتغوا الثواب، وقرئ ((واتبعوا الخيط)) استعارة وتشبيه لرقة البياض، ورقة السواد الخافي فيه.
ومن ذلك قول أبي داود:
فلما بصرن به غدوة... ولاح من الفجر خيط أنارا
وقال بعض المفسرين: الخيط اللون، والمراد في ما قال جميع العلماء بياض النهار، وسواد الليل. والخيط الأسود، هو السواد الذي كان في الموضع الذي يظهر فيه الخيط الأبيض. وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس وغيره: إن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم وأصابوا النساء بعد النوم أو بعد العشاء على الخلاف منهم عمر بن الخطاب جاء ارمأته فأرادها، فقالت له: قد نمتُ، فظن أنها تعتل فوقع بها، ثم تحقق أنها كانت نامت. وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعًا، فذهب عمر، فاعتذر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري فنزلت الآية فيهما بذلك. وقال السدي: جرى له هذا في جارية. وحكى النحاس، ومكي: أن عمر ناك ثم وقع بامرأته. وروى في سببها أن صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال قيس بن صرمة، ويقال أبو صرمة بقي كذلك دون اكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، وذلك أنه كان أتى أهله ليلًا فقال: هل عندكم ما نفطر عليه؟ فقالوا له: تصبر حتى نصنع لك شيئًا تفطر عليه، وكان شيخًا كبيرًا فأصابه الجوع فحرم عليه الطعام. فبقي ليلته يتململ، ثم أصبح. فاشتد عليه الجوع فأنزل الله تالى الرخصة، وأباح الأكل والشراب والجماع، إلى طلوع الفجر المعترض في الأفق يمينًا وشمالًا. ومقتضى هذه الآية أنه تعالى حرم بالنهار ما أباحه بالليل وهو أشياء ثلاثة الأكل والشرب والجماع، وما عدا هذه الثلاثة موقوف على الدليل، ولذلك ساغ الخلاف فيه، وفمن ذلك من تقيأ عامدًا، اختلف فيه هل هو مفطر فيجب عليه القضاء أم لا؟
فمن يراعي فحوى الآية ومقتضاها لم يوجبه، ومن لم يراع ذلك استدل بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من استقاء فعليه القضاء)) وأوجب عليه القضاء ورآه مفطرًا، والقولان لأصحاب مالك، ويرويان عن الشافعي.
ومن ذلك المحتجم اختلف هل هو مفطر أم لا؟ لأجل فحوى الآية وما ورد من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((أفطر الحاجم والمحجوم))
وقد وري عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائمًا.
ومن ذلك الغيبة، والجمهور على أنها لا تفطر لما قدمناه. وقال الأوزاعي تفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)) خرجه البخاري.

قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187].
اختلف العلماء في هذا التبين ما حده؟ فذهب الجمهور إلى أنها الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة، وهو مقتضى حديث ابن مسعود، وسمرة بن جندب. وذهب أبو بكر وعثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم، إلى أنه تبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال.
وذكر عن حذيفة أنه قال: تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. وروي عن علي بن أبي طالب؛ أنه صلى الصبح بالناس ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وروي عن أبي بكر؛ أنه نظر إلى الفجر قد تبين، ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة.
وروي عن الاعمش أنه قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت.
وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
والقول الأول هو الذي شهدت له الآثار الصحاح وما جرى عليه كلام العرب في حتى إذا كانت عائية وما بعدها ليس من جنس ما قبلها نحو قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5] وروي عن عدي بن حاتم أنه قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي. فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ((إن وسادك لعريض)) وروي أنه قال: ((إنك لعريض القفا إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) وقيل نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا إنما يعني الليل والنهار.
ولا يجوز أن يستدل بهذا على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإنه لا يجوز أصلًا. ويحتمل أن تكون العبارة بالخيط الأبيض مجازًا سابقًا في لغة قريش دون غيرها، فأشكل على قوم آخرين حتى تبين لهم بقوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
ويحتمل لأن يكون قد قال: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أولًا، ولكنه احتمل أن يريد لأجل عدي وقال النبي -عليه السلام-: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) وحدة القول الثاني في التبين. وقد ذكر الطحاوي حديث حذيفة المتقدم وقال: فدل حديث حذيفة: أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل. وهذا محتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وقبل أن ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وذهب ذلك على حذيفة وعلمه غيره.
فعمل حذيفة بما علم وذلك أنه روي عنه أنه لما طلع الفجر تسحر، ثم صلى، وعلم غيره الناسخ فصار إليه. ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم. ودل ما ذكرنا على أن الدخول في الصيام من طلوع الفجر، وعلى أن الخروج منه بدخول الليل إذا كان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ غاية للم يدخلها في الصيام. وقد اختلفوا إذا شك في الفجر الصادق هل يجوز الأكل أم لا؟ فذهب مالك رحمه الله إلى أنه لا يجوز فإن أكل فعليه القضاء. وقال ابن حبيب: هو استحباب. وقال جماعة من أهل العلم -هو مذهب ابن عباس- أنه يأكل ما شك في الفجر حتى يتبين على ظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ الآية.
وقال ابن الماجشون: تبينه هو العلم به وليس الشك علمًا به. ولكن الاحتياط ألا يأكل في الشك. وقال اللخمي: هي ثلاثة أقوال في المذهب: الكراهة، والمنع، والجواز. وهو مذهب ابن حبيب.
وأما إذا شك في الغروب فلا يأكل باتفاق لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا أمر يقتضي الوجوب و ﴿إِلَىٰ﴾ غائية. والليل الذي يتمت به الصيام مغيب قرض الشمس. وقد اتفقوا على أن آخر النهار مغيب الشمس. واختلفوا في أوله فذهب بعضهم إلى أنه الفجر. وإليه ذهب الخليل. وذهب بعضهم إلى أنه من طلوع الشمس. فقال قوم: إنه من النهار وقال قوم: إنه من الليل. وقال ثوم: إنه وقت متوسط ليس بليل ولا نهار. فإن أكل وهو شاك في المغيب، فقد اختلفوا فيما ذا عليه.
فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ومن أكل شاكًا لم يترك الصيام إلى الليل لأنه إنما أراد الله تعالى تيقن الليل لا الشك فيه. وفي ((ثمانية أبي زيد)) عليه القضاء فقط قياسًا على الفجر، وهو ظاهر قول مالك رحمه الله، على ما ذهب إليه [ابن] القصار وعبد الوهاب. وإن كان غيرهما قد تأول قوله على غير ذلك. وقال الحسن وإسحاق: لا قضاء عليه كالناسي. واختلف الناس في الوصال، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه مباح كيف كان وأن معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه إنما هو رحمة لأمته وإبقاء عليهم، فمن قدر فلا حرج. وذهب ابن حنبل وابن وهب، واسحاق إلى أنه جائز من سحر إلى سحر واحتجوا بحديث النبي -عليه السلام-: ((لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر)) وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري؟ وجماعة غريهم إلى أنه مكروه على كل حال لمن قدر عليه، ولم يجيزوه لأحد، وحجتهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم)) ورأت عائشة -رضي الله عنها- أن قوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي النهي عن الوصال. وقال المازري: إن حمل قوله ((فقد أفطر الصائم)) على أن المراد به صار مفطرًا فيكون دلالة على أن زمان الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا. وقال بعض العلماء: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، كإمساك يوك الفطر ويوم النحر.
وقال بعضهم ذلك جائز وله أجر واحتجوا بحديث الوصال.
وقد اختلفوا فيمن أصبح جنبًا وهوصائم على سبعة أقوال: فذهب فقهاء الأمصار إلى أنه يجزيه صيام ذلك اليوم. وقال ابن حبيب: إن نسي جنابته فلم يغتسل لها ذلك اليوم أو أيامًا يصومها، فصيامه تام [ويقضي الصلاة] وظاهر هذا أن المتعمد لرتك الاغتسال بخلاف الناسي، وقد سوى بينهما أشهب، فقال: وإن تعمد ترك الاغتسال، وأقام على جنابته يومه ذلك، وأيامًا، فإن صيامه تام لأن الطهارة إنما هي للصلاة لا للصيام.
وذهب قوم إلى أنه يستحب له القضاء. وذهب الحسن، وسالم فيمن أصبح جنبًا إلى أنه يتم صومه ويقضيه. وروي مثله عن أبي هريرة. وذهب أبو هريرة في أشهر أقواله عند أهل العلم إلى أنه لا يقضي. وذهب طاوس وعروة بن الزبير إلى أنه إذا علم بجنابته، ثم نام حتى يصبح، فإنه مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فصيامه يجزيه. وقد روي هذا أيضًا عن أبي هريرة. وذهب قوم إلى أنه إن علم به قبل الفجر، فهو مفطر وإن لم يعلم به إلا بعد الفجر، أتم صيامه وقضى، وذهب قوم إلى أنه إن علم بها قبل الفجر استحب له القضاء، وإن لم يعلم فصيامه تام لا يؤمر فيه بالقضاء. وذهب النخعي إلى أنه يجزيه في التطوع لا في الفرض.

﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].
حجة لفقهاء الأمصار، ومن ذهب مذهبهم في هذه المسألة لانه تعالى أباح الجماع والأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ومن وطئ إلى طلوع الفجر فلا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فقد بقي جنبًا إلى أن دخل عليه النهار، ولولا أن هذا جائز لما أباح الله له الجماع إلى وقت طلوع الفجر ولحرمة عند آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل. والدليل القائم من هذه الآية هو الذي يسميه الأصوليون إشارة اللفظ، ويعنون به ما يتسع له اللفظ من غير قصد إليه. وبعض من يخالف هذا يقول: إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع فإنه لم يقل باشروهن إلى أن يتبين، وإنما جعله غاية للأكل والشرب الذي هو أقرب مذكور، والحائض فيما ذكرناه بمنزلة الجنب.
وصوم رمضان لا يصح إلا بنية خلافًا لداود لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما الأعمال بالنيات)) وهل تجزى مع طلوع الفجر؟ وروي عن مالك أنها لا تجزي. وقال عبد الوهاب تجزي. قال اللخمي: وهو أحسن لقول الله تعالى: ﴿وكلوا اشربوا حتى يتبين لكم الخيط﴾ الآية [البقرة: 187] فإذا كان الأكل مباحًا حتى يطلع الفجر لم تجب النية، إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك، ولا فائدة في تقدمة النية قبل ذلك، إذا كان بعدج النية يأكل ويشرب حتى يطلع الفجر وإذا ورد النص بهذا لم يعارض بقياس، يقال إنه يجب أن يمسك جزءًا من الليل. وقد اختلفوا فيمن طلع عليه الفجر وهو يولج أو يأكل ونزع لحينه هل ينعقد ثومه أم لا؟ فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه لا ينعقد ذلك الصوم منهما. وذهب قوم إلى أنه ينعقد ولا قضاء على من فعل ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وذهب بعضهم إلى الفرق بين الأكل والجماع فرأى أنه لا ينعقد صوم المجامع وإن نزع لحينه لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر، ورأى أن عليه القضاء. وروى أن صوم الأكل إذا نزع لحينه وألقى اللقمة من فيه ينعقد وإلى هذا ذهب ابن الماجشون، وحجة من ذهب إلى أن صومهما ينعقد قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فأباح المباشرة والأكل إلى طلوع الفجر. وقد علم أنه من باشر وأكل حتى يطلع الفجر فإنه لا يستطيع النزع إلا بعد طلوعه، ,الله تعالى قد علم طلوعه، ولكنه أباح الجماع والأكل إلى ذلك الوقت، فإشارة اللفظ تدل على إباحة ذلك وهذا الاستدلال مثلما تقدم. وقد اختلفوا فيما لا يغذي كالدرهم والحصاة، هل يقع به الفطر أم لا. فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه يفطر كما يفطر ما يغذي، وذهب بعضهم إلى انه لا يحصل به الفطر. وهو مذهب أهل الظاهر وبه قال أبو طلحة. ودليل القوم الأول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ والصيام الإمساك فعم.
واختلف في اليسير من الطعام هل يقع به فطر أم لا؟ كفلقة الحبة بين الأسنان، وغبار الدقيق، فقال في ((كتاب أبي مصعب)) في الفلقة في السهو القضاء وفي العمد القضاء والكفارة. وقال ابن حبيب: لا شيء عليه، وقال أشهب في غبار الدقيق عليه القضاء. وقال عبد الوهاب: لا شيء عليه.
والأظهر على مقتضى الآية أن يجري القليل في ذلك مجرى الكثير تعلقًا بعموم الإمساك المأمور به. وقد اختلف فيما يصل إلى الحلق والجوف من غير مدخل الطعام والشراب كالكحل من العينين والدهن من الأذن والسعوط من الانف والحقنة، ففي المذهب فيها خلاف هل يقع بذلك فطر أم لا؟ وإذا اعتبرنا لفظ الآية لم نوجب من ذلك فطرًا وإن اعتبرنا ما يفهم من مقصودها وهو عموم التغذي كان ذلك كالطعام والشراب الواصلين من الحلق.
وكذلك اختلف فيما يصل إلى الحلق، من طعم البخور هل يفطر به أم لا؟ على قولين في المذهب، وكذلك ما دهن به الرأس، فوصل طعمه إلى الحلق فالجمهور أنه لا يقع به الفطر، وبه قال الشافعي. وفي ((السليمانية)) أنه يفطر. ووجه الفطر في ذلك على ما تقدم ذكره. وقد اختلفوا فيمن وطئ أو أكل أو شرب ناسيًا على أربعة أقوال: فمذهب مالك وأصحابه أن عليه القضاء، دون الكفارة، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهما أنه لا قضاء عليه ولا كفارة. وقاله الأوزاعي، والثوري. وقيل: إنه روي عن علي، وابن عمر، أبي هريرة، مثل ذلك. ومذهب أصحاب الحديث أن عليه القضاء، والكفارة. ومذهب عبد الملك أن عليه في الوطء القضاء والكفارة وفي الأكل والشرب والقضاء دون الكفارة. ودليل قول مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا غير متم للصيام.

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187].
قال الشافعي: هذه الآية تدل على أن المباشرة كانت مباحة في الاعتكاف، ثم نسخت بالنهي عنها. وقال مجاهد: كانت الأنصار تجامع في الاعتكاف فنزلت الآية. وقال نحوه الضحاك، ولم يخص الأنصار.
والأصل في جواز الاعتكاف هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: 26] قال ابن المنذر: وقد أجمع أهل العلم على أنه مندوب إليه مستحب الدوام عليه استنانًا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإنما كرهه مالك لشدته ولأنه يعسر الوفاء بجميع شروطه، وقل من يقدر عليه. وقد اختلفوا في أي موضع يكون الاعتكاف على خمسة أقوال، فذهب مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أنه يكون في كل مسجد، وأنه لا بأس بالاعتكاف في مسجد لا يجمع فيه الجمعة إذا كان ممن لا تلزمه الجمعة، ولو بموضع لا يلزمه منه إتيان الجمعة، أو كان لا تدركه الجمعة في اعتكافه. وذهب الزهري والحكم وغيرهما إلى أنه لا يعتكف إلا في حذيفة. وذهب حذيفة بن اليمان في الأشهر عنه إلى أنه لا يعنكف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد إبراهيم -عليه السلام-. وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يعتكف إلا في مسجد نبي. وذهب ابن لبابة إلى أن الاعتكاف يصح في غير مسجد، وأن ترك مباشرة النساء لا يلزم المعتكف إلا إذا اعتكف في مسجد. وهذا قول شاذ مبين على أصل مختلف فيه. وهو دليل الخطاب لأن الله تعالى إذا نهى عن المباشرة لمن اعتكف في غير المسجد، فكأنه يظهر من ذلك أن من اعتكف في غير مسجد فتباح له المباشرة، وإن اعتكافه جائز في غير المسجد. وقد جاء عن عائشة أنه يعتكف وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فعم الثلاثة وغيرها. والمرأة لا تعتكف إلا في مسجد قياسًا على الرجل خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، وفرق بينهما بتفاريق ضعيفة. وقد اختلفوا في الاعتكاف بغير صوم هل يصح أم لا؟ فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة إلى أنه لا يكون اعتكاف إلا بصوم، وحكى ابن جرير الطبري عن الشافعي في المشهور عنه أبو ثور وغيرهما إلى أن المعتكف يخير بين الصوم والفطر وإليه ذهب ابن لبابة رحمه الله.
وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فقصر الخطاب على الصائمين، فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى، ولأن أكثر ما فيه أن يكون مجملًا، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فروي عنه أنه اعتكف صائمًا، ولم يرو عنه أنه اعتكف مفطرًا. وقد اختلفوا في المعتكف إذا خرج إلى الجمعة هل ينتقض اعتكافه. فذهب مالك إلى أنه ينتقض، وذهب عبد الملك إلى أنه لا ينتقض وهو قول أبي حنيفة. وروى ابن الجهم نحوه عن مالك. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ومعنى عاكفون ملازمون، وقد اختلف في المعتكف إذا خرج من المسجد لغير حاجة هل يبطل اعتكافه أم لا؟ فذهب مالك رحمه الله إلى أنه يبطل اعتكافه إذا قام فليلًا أو كثيرًا. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه إن قام خارج المسجد أكثر النهار بطل اعتكافه، وإن أقام النهار لم يبطل اعتكافه، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ واختلف أيضًا إلى أنه يبطل اعتكافه، وذهب بعض الشافعية إلى انه لا يبطل، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. واختلفوا في مباشرة المرأة فيما دون الجماع. فذهب مالك رحمه الله إلى أنه لا يفسد الاعتكاف أنزل أو لم ينزل. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه إن أنزل أفسد وإن لم ينزل لم يفسد. وحجة مالك ومن تبعه قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فعم، وعلى حسب اختلاف التفسير للآية اختلفوا في هذه المسألة، وذلك أن فرقة قالت: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ لا تجامعوهن، وقال الجمهور يقع ذلك على الجماع فما دونه مما يلتذ به من النساء. ولم يختلفوا في أن الوطء عمدًا يفسد الاعتكاف. وإنما اختلفوا هلة عليه كفارة أم لا، والصحيح نفيها. واختلفوا إذا وطئ ناسيًا فذهب مالك إلى أنه يبطل اعتكافه. وذهب الشافعي إلى أنه لا يبطل. وحجة مالك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ والنهي يقتضي فساد المنهي عنه كذا قال عبد الوهاب. وهذا أصل يختلف فيه أهل الأصول كثيرًا. واختلفوا في أقل الاعتكاف، فعن مالك روايتان إحداهما يوم وليلة، والثانية عشرة أيام.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه قد يكون الاعتكاف ساعة وفي الآية حجة على أبي حنيفة لأنه تعالى لما خاطب بها الصوام خاصة علمنا أن الصوم مشترط في الاعتكاف، ولما كان الصوم الشرعي لا يكون أقل من يوم، وعلمنا أن الاعتكاف كذلك، فإذا ثبت هذا ظهر فساد ما ذهب إليه أبو حنيفة. وهذا النوع من الاستدلال يسميه الأصوليون الاقتضاء. واختلفوا إذا نذر اعتكاف يوم وليلة على ثلاثة أقوال: فذهب مالك رحمه الله إلى أنه إذا نذر أحدهما لزمه ولم يلزمه الآخر. [وذهب الشافعي إلى أنه إذا نذر أحدهما لزمه دون الآخر]. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن نذر يومًا فعليه يوم بعد ليلة، وإن نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه. وقال سحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه، ومذهب الشافعي مبني على إسقاط اشتراط الصيام، وذلك معترض عليه بما تقدم، ومذهب أبي حنيفة مبني على إشتراط الصيام، لأن الليل لا يصام فيه، فمن نذره لم يلزمه. وإذا نذر اليوم لزم اعتكافه، لأن الصوم مباح فيه وإلى نحو هذا أشار سحنون وقال: من نذر ليلة فلا شيء عليه، وأما مالك رحمه الله فذهب أنه يلزمه أقل ما يمكن فيه الاعتكاف وهو يوم وليلة.
فهرس الكتاب