لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةࣲ فِيهَا مَتَٰعࣱ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ 29
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾:
سببها أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمد قوم فكانوا لا يأتون موضعًا خربًا ولا مسكونًا إلا سلموا واستأذنوا فنزلت الآية. واختلف في المتاع ما هو، فقيل معناه تجارات لكم أي لجماعتكم يبتاع بعضهم من بعض كما قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ فأجاز قائل هذا أن يدخل هذه البيوت بغير إذن. وقال عكرمة كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه متاع البيت من الثياب والبسط وهو الذي يأتي على ما حكى الطبري عن مجاهد وهذ ضعيف جدًا. وقيل هو المنافع عامة أي لكك فيها حاجة فعلى هذا يجوز للرجل أن يدخل البيوت غير المسكونة بلا إذن إذا كان لها إليها حاجة. وعلى القول الأول لا يجوز أن يدخلها إلا أن يكون لها فيها متاع كالبسط والثياب ونحو ذلك، أو تكون بيوتًا موضوعة للتجارة على القول الآخر ولما أباح في هذه الآية دخول الرجل بيتًا غير بيته بغير إذن وهو غير مسكون ونهى في الآية التي قبلها أن يدخل أحد بيتًا غير بيته بغير إذن لم يفرق بين مسكون وغيره، فاختلف في ذلك، فقيل الآية الأولى منسوخة بالأخيرة، وهو قول ابن عباس وقد تكلمنا غير مرة على مثل هذا هل يصح فيه النسخ أم لا، فلا معنى لإعادته. وقيل ليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ بل هما جميعًا محكمتان وأن الآية الأولى يراد بها البيوت التي ليس لها ساكن ولا أرباب وأن الآية الأخرى يراد بها البيوت التي لا ساكن لها. وهذا القول أصح. وقد صرف قوم من أهل العلم في هذه البيوت أمثلة، فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الحمامات والفنادق التي في طرق المسلمين. قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل. وقال عطاء هي الخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط. وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيسرية والسوق. وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم. وهذا القول فاسد بإجماع لأن جوانيت القيسرية مشغولة بأموال الناس فلا يجوز أن يدخلها لا من أذن له ربها بإجماع. وقال محمد بن الحنفية أيضًا أراد تعالى دور مكة على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وقد مر الكلام على ذلك.
[ - - قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾]
﴿مِّنَ﴾ في هذه الآية تحتمل أن تكون لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب ولأجل ذلك خص الأمر بغضه. ويحتمل أن تكون للتبعيض وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة إنما غض منه. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب: ((لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)) الحديث. وقال جرير بن عبد الله البجلي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: ((اصرف بصرك)) ويحتمل أن تكون ﴿مِّنَ﴾ لبيان الجنس كأنه قال: غضب، احتمل أن يريد من يدك أو لسانك أو من كذا أو من كذا وأتى بمن لتبين الجنس المنهي عنه. وكيفما كان فقد حصل بهذه الآية الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ولم يبين تعالى الأشياء التي يغض عنها البصر والأشياء التي يغض منها الفرج، معلوم بالعادة أن المراد بها المحرم دون المحلل. والأمر في ذلك على الوجوب. فمن الأشياء التي يجب غض البصر عنها باتفاق العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل عن الخثعمية. وما جرت به العادة بأن يكتمه الناس بعضهم عن بعض كالنظر في كتاب الرجل بغير إذن، وقد ورد فيه نهي، والنظر إلى ما عدا هذه الأشياء مباح. وقد يباح أيضًا النظر إلى الأشياء الممنوعة لوجوه وأمور يقتضيها كالنظر إلى المرأة الشابة والغلام عند الشهادة ونحو ذلك، وكالنظر إلى العورة في بعض الأحوال وعند بعض العلماء. وقد اختلف إذا أراد نكاح المرأة هل يجوز أن يقتبلها النظر من كوة؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه ومن حجته عموم هذه الآية، حكى عبد الوهاب عن مالك الجواز. وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل)) قال جابر: فلقد خطبت امرأة من بني سلمة فكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني، فخطبتها فزوجتها وقال عليه الصلاة والسلام: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)). وإذا قلنا بجواز ذلك. فقال مالك لا ينظر إلا إلى الوجه الكفين. وأجاز بعضهم القدمين وذكر بعضهم أن مالكًا يشترط إذن المرأة في ذلك. وقال الشافعي لا يحتاج إلى إذنها. ومن الناس من منع النظر جملة. واختلف أيضًا في النظر إلى ما عدا الفرج من الأمة عند الشراء على قولين: أحدهما: أنه يجوز، والثاني: أنه لا ينظر منها عند الشراء إلا إلى كفيها وجهها، وعموم الآية حجة لهذا القول، وعلى هذا اختلف فيماتستره الأمة في الصلاة من جسدها، فقيل هي كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة خاصة وقيل هي كالحرة في ذلك.
[ - قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾]
فيه تأويلان أحدهما: أن يريد ترك الزنا. والثاني: أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه. واختلف في نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته ونظر المرأة إلى فرج زوجها وسيدها. ففي المذهب الجواز، وللشافعي قولان: أحدهما أنه لا يجوز ومن حجته عموم الآية. وحجة القول الأول أن الآية إنما وردت في النظر إلى ما حرم على الرجل وأما ما أحل له -وإن كان عورة- فلا. وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر أو بمئزر مع من يدخله بغير مئزر. وأما دخوله للرجال - إذا لم يدخله أحد منهم إلا بمئزر- ففيه قولان: الجواز، وروي عن مالك في الوضوء في العتبية أنه سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام فقال: والله ما دخوله عندي بصواب فكيف يغسل بذلك الماء؟ فوجه الجواز أن العورة فيه مستورة فليس ثم ما يؤمر الإنسان بغض البصر عنه. ووجه الكراهة مخافة التطلع على العورة. وأما دخول النساء مستترات الحمام فاختلف فيه. ففي المختصر منعهن إياه جملة. وقيل يمنعن إلا لعلة من مرض أو غسل من حيض أو نفاس أو شدة برد وما أشبه ذلك. إنما منعهن ذلك لما لم يكن ثم حمامات منفردة، فأما اليوم مع إفرادهن فلا يمنعن. ويأتي على هذا القول الاختلاف في دخولهن بالجواز والكراهة بأنهن في ذلك بمنزلة الرجال فيتحصل فيهن أربعة أقوال. ووجه الجواز أنهن مستترات. فارتفع موضع النهي بقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أمر للنساء بغض البصر كما أمر الرجال به. والكلام في هذه الآية كالكلام في الآية التي قبلها. إلا أنه اختلف هل بدن المرأة عورة مستورة عن المرأة كما هو عن الرجل أم لا؟ فذهب عبد الوهاب إلى أنه كذلك، وعلى هذا يتركب القول بمنعهن دخول الحمام. وذهب غيره إلى أنه ليس كذلك وأنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما لا يجوز للرجل أن ينظر من الرجل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب)). وإذا كان كذلك فليست المرأة مأمورة بغض البصر عن بدن المرأة لأنها عورة له. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآيتان. وقد اختلف في العيب إذا كان بالحرة في غير الفرج هل يبقر عنه الثوب فينظر إليه الرجال أو ينظر إليه النساء، على قولين. حجة المنع ظاهر قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ واختلف أيضًا في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة أم لا على قولين. فعلى القول بأنه عورة فالآية مشتملة على أمرهن بغض البصر عنه. وأما بدن الرجل على الرجل فليس بعورة ولذلك لم يقل أحد بمنعهم من الحمام إذا دخلوه بالمئزر. وأما رؤية المرأة الرجال من غير نظر إلى عورة فمباح كما قلنا في نظر الرجال إلى النساء إلا أن يخاف الفتة عليهن. والدليل على ذلك حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب بالمسجد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: ((اعتري عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك)) إلا أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ذلك ويدل على أنه لا يجوز نظر المرأة إلى الرجل. وهو حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احتجبا منه)) فقلنا إنه أعمى. فقال: ((أفعمياوان أنتما)) وقد تأوله قوم على أنه مخصوص في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
[ - قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾]
الكلام فيه كالكلام في الآية المتقدمة. إلا أنه اختلف هل يجوز للنساء النظر إلى فرج الحرة إذا ادعى الزوج أن بفرجها عيب؟ فأجازه سحنون ومنعه مالك وغيره. وحجة من أجازه للضرورة بسبب اتهام المرأة في الإنكار. وأما إن كان العيب ببدن المرأة فلا خلاف أنه يجوز نظر النساء إليها للعلة المذكورة. وأما عورات الصبيان فالنظر إليها مستخف، وقد أجاز مالك أن يغسل النساء الصبي الأجنبي ابن سبع سنين ونحو ذلك. وقال ابن الجلاب ابن خمس سنين ونحو ذلك. واختلف أصحابنا في غسل الرجل الصبية الأجنبية بنت أربعة أعوام، وخمس، فأجازه أشهب ما لم تكن تشتهى، وهو قول عيسى بن دينار. وقال ابن القاسم لا يغسلها بحال. وقد ذكر البخاري أن أم خالد أتت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها وعليها قميص أصفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سنه)) قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعها)) الحديث. ففيه مباشرة الصبية الصغيرة له صلى الله عليه وسلم وذلك كمباشرته هو إياها ولم ينهها، ولو كان حرامًا لنهاها كما نهى الحسن على التمرة الساقطة. وفي بعض الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالحسن بن علي ففرج بين فخذيه وقبل زبيبه، وقد حمل أمامة على عاتقه في الصلاة. وذكر صاحب البسيط عن بعض أصحاب الشافعي أن النظر إلى فرج المرأة حرام وإن كان ابن يومه، ورأى تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم كان وراء ثوب.
سببها أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمد قوم فكانوا لا يأتون موضعًا خربًا ولا مسكونًا إلا سلموا واستأذنوا فنزلت الآية. واختلف في المتاع ما هو، فقيل معناه تجارات لكم أي لجماعتكم يبتاع بعضهم من بعض كما قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ فأجاز قائل هذا أن يدخل هذه البيوت بغير إذن. وقال عكرمة كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه متاع البيت من الثياب والبسط وهو الذي يأتي على ما حكى الطبري عن مجاهد وهذ ضعيف جدًا. وقيل هو المنافع عامة أي لكك فيها حاجة فعلى هذا يجوز للرجل أن يدخل البيوت غير المسكونة بلا إذن إذا كان لها إليها حاجة. وعلى القول الأول لا يجوز أن يدخلها إلا أن يكون لها فيها متاع كالبسط والثياب ونحو ذلك، أو تكون بيوتًا موضوعة للتجارة على القول الآخر ولما أباح في هذه الآية دخول الرجل بيتًا غير بيته بغير إذن وهو غير مسكون ونهى في الآية التي قبلها أن يدخل أحد بيتًا غير بيته بغير إذن لم يفرق بين مسكون وغيره، فاختلف في ذلك، فقيل الآية الأولى منسوخة بالأخيرة، وهو قول ابن عباس وقد تكلمنا غير مرة على مثل هذا هل يصح فيه النسخ أم لا، فلا معنى لإعادته. وقيل ليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ بل هما جميعًا محكمتان وأن الآية الأولى يراد بها البيوت التي ليس لها ساكن ولا أرباب وأن الآية الأخرى يراد بها البيوت التي لا ساكن لها. وهذا القول أصح. وقد صرف قوم من أهل العلم في هذه البيوت أمثلة، فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الحمامات والفنادق التي في طرق المسلمين. قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل. وقال عطاء هي الخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط. وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيسرية والسوق. وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم. وهذا القول فاسد بإجماع لأن جوانيت القيسرية مشغولة بأموال الناس فلا يجوز أن يدخلها لا من أذن له ربها بإجماع. وقال محمد بن الحنفية أيضًا أراد تعالى دور مكة على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وقد مر الكلام على ذلك.
[ - - قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾]
﴿مِّنَ﴾ في هذه الآية تحتمل أن تكون لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب ولأجل ذلك خص الأمر بغضه. ويحتمل أن تكون للتبعيض وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة إنما غض منه. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب: ((لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)) الحديث. وقال جرير بن عبد الله البجلي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: ((اصرف بصرك)) ويحتمل أن تكون ﴿مِّنَ﴾ لبيان الجنس كأنه قال: غضب، احتمل أن يريد من يدك أو لسانك أو من كذا أو من كذا وأتى بمن لتبين الجنس المنهي عنه. وكيفما كان فقد حصل بهذه الآية الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ولم يبين تعالى الأشياء التي يغض عنها البصر والأشياء التي يغض منها الفرج، معلوم بالعادة أن المراد بها المحرم دون المحلل. والأمر في ذلك على الوجوب. فمن الأشياء التي يجب غض البصر عنها باتفاق العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل عن الخثعمية. وما جرت به العادة بأن يكتمه الناس بعضهم عن بعض كالنظر في كتاب الرجل بغير إذن، وقد ورد فيه نهي، والنظر إلى ما عدا هذه الأشياء مباح. وقد يباح أيضًا النظر إلى الأشياء الممنوعة لوجوه وأمور يقتضيها كالنظر إلى المرأة الشابة والغلام عند الشهادة ونحو ذلك، وكالنظر إلى العورة في بعض الأحوال وعند بعض العلماء. وقد اختلف إذا أراد نكاح المرأة هل يجوز أن يقتبلها النظر من كوة؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه ومن حجته عموم هذه الآية، حكى عبد الوهاب عن مالك الجواز. وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل)) قال جابر: فلقد خطبت امرأة من بني سلمة فكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني، فخطبتها فزوجتها وقال عليه الصلاة والسلام: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)). وإذا قلنا بجواز ذلك. فقال مالك لا ينظر إلا إلى الوجه الكفين. وأجاز بعضهم القدمين وذكر بعضهم أن مالكًا يشترط إذن المرأة في ذلك. وقال الشافعي لا يحتاج إلى إذنها. ومن الناس من منع النظر جملة. واختلف أيضًا في النظر إلى ما عدا الفرج من الأمة عند الشراء على قولين: أحدهما: أنه يجوز، والثاني: أنه لا ينظر منها عند الشراء إلا إلى كفيها وجهها، وعموم الآية حجة لهذا القول، وعلى هذا اختلف فيماتستره الأمة في الصلاة من جسدها، فقيل هي كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة خاصة وقيل هي كالحرة في ذلك.
[ - قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾]
فيه تأويلان أحدهما: أن يريد ترك الزنا. والثاني: أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه. واختلف في نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته ونظر المرأة إلى فرج زوجها وسيدها. ففي المذهب الجواز، وللشافعي قولان: أحدهما أنه لا يجوز ومن حجته عموم الآية. وحجة القول الأول أن الآية إنما وردت في النظر إلى ما حرم على الرجل وأما ما أحل له -وإن كان عورة- فلا. وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر أو بمئزر مع من يدخله بغير مئزر. وأما دخوله للرجال - إذا لم يدخله أحد منهم إلا بمئزر- ففيه قولان: الجواز، وروي عن مالك في الوضوء في العتبية أنه سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام فقال: والله ما دخوله عندي بصواب فكيف يغسل بذلك الماء؟ فوجه الجواز أن العورة فيه مستورة فليس ثم ما يؤمر الإنسان بغض البصر عنه. ووجه الكراهة مخافة التطلع على العورة. وأما دخول النساء مستترات الحمام فاختلف فيه. ففي المختصر منعهن إياه جملة. وقيل يمنعن إلا لعلة من مرض أو غسل من حيض أو نفاس أو شدة برد وما أشبه ذلك. إنما منعهن ذلك لما لم يكن ثم حمامات منفردة، فأما اليوم مع إفرادهن فلا يمنعن. ويأتي على هذا القول الاختلاف في دخولهن بالجواز والكراهة بأنهن في ذلك بمنزلة الرجال فيتحصل فيهن أربعة أقوال. ووجه الجواز أنهن مستترات. فارتفع موضع النهي بقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أمر للنساء بغض البصر كما أمر الرجال به. والكلام في هذه الآية كالكلام في الآية التي قبلها. إلا أنه اختلف هل بدن المرأة عورة مستورة عن المرأة كما هو عن الرجل أم لا؟ فذهب عبد الوهاب إلى أنه كذلك، وعلى هذا يتركب القول بمنعهن دخول الحمام. وذهب غيره إلى أنه ليس كذلك وأنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما لا يجوز للرجل أن ينظر من الرجل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب)). وإذا كان كذلك فليست المرأة مأمورة بغض البصر عن بدن المرأة لأنها عورة له. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآيتان. وقد اختلف في العيب إذا كان بالحرة في غير الفرج هل يبقر عنه الثوب فينظر إليه الرجال أو ينظر إليه النساء، على قولين. حجة المنع ظاهر قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ واختلف أيضًا في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة أم لا على قولين. فعلى القول بأنه عورة فالآية مشتملة على أمرهن بغض البصر عنه. وأما بدن الرجل على الرجل فليس بعورة ولذلك لم يقل أحد بمنعهم من الحمام إذا دخلوه بالمئزر. وأما رؤية المرأة الرجال من غير نظر إلى عورة فمباح كما قلنا في نظر الرجال إلى النساء إلا أن يخاف الفتة عليهن. والدليل على ذلك حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب بالمسجد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: ((اعتري عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك)) إلا أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ذلك ويدل على أنه لا يجوز نظر المرأة إلى الرجل. وهو حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احتجبا منه)) فقلنا إنه أعمى. فقال: ((أفعمياوان أنتما)) وقد تأوله قوم على أنه مخصوص في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
[ - قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾]
الكلام فيه كالكلام في الآية المتقدمة. إلا أنه اختلف هل يجوز للنساء النظر إلى فرج الحرة إذا ادعى الزوج أن بفرجها عيب؟ فأجازه سحنون ومنعه مالك وغيره. وحجة من أجازه للضرورة بسبب اتهام المرأة في الإنكار. وأما إن كان العيب ببدن المرأة فلا خلاف أنه يجوز نظر النساء إليها للعلة المذكورة. وأما عورات الصبيان فالنظر إليها مستخف، وقد أجاز مالك أن يغسل النساء الصبي الأجنبي ابن سبع سنين ونحو ذلك. وقال ابن الجلاب ابن خمس سنين ونحو ذلك. واختلف أصحابنا في غسل الرجل الصبية الأجنبية بنت أربعة أعوام، وخمس، فأجازه أشهب ما لم تكن تشتهى، وهو قول عيسى بن دينار. وقال ابن القاسم لا يغسلها بحال. وقد ذكر البخاري أن أم خالد أتت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها وعليها قميص أصفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سنه)) قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعها)) الحديث. ففيه مباشرة الصبية الصغيرة له صلى الله عليه وسلم وذلك كمباشرته هو إياها ولم ينهها، ولو كان حرامًا لنهاها كما نهى الحسن على التمرة الساقطة. وفي بعض الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالحسن بن علي ففرج بين فخذيه وقبل زبيبه، وقد حمل أمامة على عاتقه في الصلاة. وذكر صاحب البسيط عن بعض أصحاب الشافعي أن النظر إلى فرج المرأة حرام وإن كان ابن يومه، ورأى تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم كان وراء ثوب.