فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ 28 لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ 29 قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ 30 وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 31
الصفحة 353

أحكام الآية 31 من سورة النور

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 31

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾:
هذه الآية تقتضي نهي النساء عن إظهار الزينة عامة. ثم استثنى تعالى من ذلك ظاهر الزينة وهو ما لا بد من النظر إليه، وذلك المعنى بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. والنهي أيضًا عام في الستر للزينة الباطنة عن جميع الناس إلا من خصص تعالى بالذكر في الآية التي بعد هذه. وقد اختلف السلف في الذي أبيح للمرأة إظهاره بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، فقال ابن مسعود هو الثياب. فعلى هذا يلزم المرأة ستر جميع جسدها ولا يجوز أن تظهر منه شيئًا لا وجهها ولا كفيها ولا غير ذلك، وتكون عورة كلها. وقال الحسن وسعيد بن جبير: الثياب والوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا والأوزاعي وغيرهما: الثياب والوجه والكفان. وقال ابن عباس وغيرهما: الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتح ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وعلى هذا لا يجوز أن تظهر ظهور قدميها وكذلك قال مالك في الصلاة. وقال أبو حنيفة ليس عليها أن تغيب ظهور قدميها في الصلاة، فعلى قوله ليس ذلك بعورة. وعلى هذا يأتي الخلاف فيما يجوز النظر إليه منها عند الشهادة عليها أو عند سبب يوجب النظر إليها. فعلى قول لا يجوز النظر إلى شيء منها ولا يشهد عليها إلا من يعرف صوتها أو من يعرفه بها من يثقه. وعلى قول يجوز إلى الوجه والكفين وهو قول مالك وأصحابه. وعلى قول إلى الوجه والكفين والقدمين. وعلى قول الوجه واليدين والقدمين ونصف الذراع. وقد جاء حديث في معنى نصف الذراع عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد جعل ابن عباس على تقدم الخضاب من الزينة الظاهرة. قال شيخنا أبو بكر بن العربي: هو عند مالك من الزينة الباطنة.

وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾:
سبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالخمر سدلنها من ورائهن كما تصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمر الله تعالى بلي الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وقالل عائشة: رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكتف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. ودخلت عائشة على حفصة بيت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾:
المراد بالزينة هنا الزينة الباطنة خاصة، خلاف ما هي في الآية قبلها، ولما ذكر تعالى ما أباح من الزينة الظاهرة أن يراه غير ذي محرم ذكر في هذه الآية الأخرى ما أباح رؤيته من الزينة الباطنة لذي محرم وغيرهم ثم ما أباحه تعالى في هذه الآية ليسوا فيه على استواء بل منهم من له من ذلك ما لا يباح لغيره ممن ذكر في الآية. وقد فسر ابن عباس الزينة المذكورة في هذه الآية بما يشترك فيه جميع المذكورين فقال: ليبدين لهؤلاء المذكورين القرطة والقلائد والشروك والسوار ونحوه ثم قال وأما خلخالها ومعضداها ونحوهما فلا تبديه إلا لزوجها. وقد تقدم لابن عباس أن القرطة من الزينة الظاهرة فقد جعلها هنا من الباطنة فانظر ذلك. ثم بدأ بالبعولة وهم الأزواج قال الشاعر:
ففدينا البعولة والبنين لأن حرمتهم في الكشف عليها أعلى الحرم لأن النظر إلى كل شيء منها مباح له ولا يشاركه أحد في ذلك. ثم ثنى بالآباء وهم من له عليهن ولادة، وهم دون البعولة فيجوز له النظر إلى كل ما ليس بعورة من بناتهم. ثم ذكر آباء البعولة ثم أبناءهن ثم أبناء البعولة ثم إخوانهن وهم الإخوة. وأكثر ما يكون هذا الجمع للأخ من الصداقة، ثم بني الإخوة ثم بني الأخوات فينبغي أن يكونوا في الكشف دون الآباء على طريق الاستحسان، وأن تختلف أيضًا درجاتهم على حسب القربى. وقد رخص العلماء في تقبيل الرجل كبار الولد وسائر الأهل. فقال مالك رحمه الله تعالى في الذي يقدم من سفره فتلقاه ابنته فتقبله وأخته وأهل بيته، لا بأس بذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ولده خاصة فاطمة. وكان أبو بكر يقبل عائشة. وفعل ذلك أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال إسماعيل القاضي: وهذا إذا كان الولد مأمونًا. ويجوز مثل ذلك للولد أن يقبل أمه إذا كان مأمونًا ولا يجوز ذلك للأخ ومن دونه فمن ذكر في الآية من ذوي الأرحام ثم قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فقال بعضهم أراد جميع نساء المؤمنين. وقال بعضهم أراد جميع المؤمنات. فعلى القول الأول تكون الكتابية إذا كانت تحت مؤمن ممن أبيح لها النظرة إلى المؤمنات. وعلى القول الثاني لا تكون. وأما المشركات اللائي لسن من نساء المؤمنين فلا يجوز لهن لظاهر الآية على القولين. وقد روي عن عمر ما يعضد ذلك أنه كتب إلى عماله أن لا يترك امرأة من نساء أهل الذمة تدخل الحمام مع المسلمات. واحتج بهذه الآية. وفي كتابه لأبي عبيدة بن الجراح أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمام مع نساء المسلمين، فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها سود الله تعالى وجهها يوم تبيض الوجوه ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فيدخل في هذا الإماء المؤمنات وغير المؤمنات واختلف في العبيد الذكور البالغين هل هم داخلون تحت العموم فيباح لهم النظر إلى مولاتهم أم لا؟ فقيل المراد ما ملكت أيمانهن من الولادة الأطفال لا الرجال إلا أن يكون الرجل محرمًا. قالوا وإن الظاهر يقتضي خلاف ذلك. لكن قياس الشرع يأبى هذا الظاهر. ورجح هذا القول أبو الحسن. وهو ضعيف لمخالفته الظاهر ولأن الطفل قد ذكر بعد ذلك. وقال ابن المسيب لا يغرنكم ظاهر هذه الآية إنما عنى بها الإماء ولم يعن بها العبيد، وهو قول الشافعي وعطاء ومجاهد وإلى نحو هذا ذهب ابن عبد الحكم فقال: لا يجوز للمكاتب أن يرى شعر سيدته وإن كان وغدًا، ولا يخلو معها في بيت. وذهب ابن عباس في أحد أقواله إلى أن الآية على العموم في الإماء والعبيد وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة فعلى هذا يجوز للعبد أن يرى شعر سيدته وغدًا كان أو غير وغد، وكذلك المكاتب. وإلى نحو هذا ذهب مالك، إلا أنه اشترط أن يكون وغدًا لا منظر له. فهذه ثلاثة أقوال في عبد نفسها. قال إسماعيل القاضي: والقول بأن العبيد داخلون في عموم الآية أعلى. واختلف في عبد زوجها أو عبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها أم لا على قولين: والمشهور منهما المنع. والحجة لجواز ذلك لعبد الزوج قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58]. فـ ﴿الَّذِينَ﴾ تقع على الذكور، والمخاطبة بالآية للأزواج. ومن حجة جواز ذلك لعبد الزوج قراءة من قرأ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وكذلك الخلاف في العبد الخصي، فمنعه مالك منها مرة إلا أن يكون ملكًا لها ولا منظر له. وأباحه في القول الآخر إذا كان لها أو لزوجها، وإن لم يكن وغدًا، ثم أباحه وإن كان لأجنبي، في قول ثالث.
ثم قال تعالى: ﴿التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾:
واختلف المفسرون في تأويل ذلك. فقال بعضهم هو المغفل. وقال الشعبي هو الذي لا إرب له في النساء. وقال عكرمة المخنث الذي لا يقوم له. وقال بعضهم الشيخ الهرم والخنثى والعنين. وقال عطاء هو الذي يتبعك وهمته بطنه. وقال الحسن هو الأحمق. وقال طاووس هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة. وهذه الأقوال ينبغي أن تساق على جهة التمثيل لا على أن الآية مقصورة على وجه من تلك الوجوه. والذي ينبغي أن يقال به في الآية أن فيها شرطين في غير ذوي المحارم وهما الاتباع ومعناه أن يتبع لشيء بعطاء على ذلك كالوكيل والمتصرف. والثاني عدم الإربة في الوطء فلا يجوز أن يدخل عليها لغير ضرورة من غير ذوي المحارم إلا من كان فيه هذان الشرطان. ومن لم يكونا فيه فلا يجوز له الدخول عليها. وذهب بعض المفسرين إلى مراعاة الشرط الواحد وهو أن يكون من غير أولي الإربة. وذكر بعضهم شرط الاتباع على ما يعطاه وحده. والأصح ما ذكرته من اعتبار الشرطين. وقد اختلف في دخول الحر الخصي على قولين مرويين عن مالك. والأصح أن لا يجوز دخوله كما ذكرنا إلا أن يجتمع فيه الشرطان. وفي الصحيحين أن مخنثًا كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقال له هيت فقال لعبد الله بن أبي أمية: إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فاسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بادية ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك منه: ((لا يدخل هذا علكن)) فلم ينكر صلى الله عليه وسلم دخوله قبل ذلك وأنكره حين سمع كلامه ونهى عن دخوله. وفد اختلف الأصوليون في النهي على ما يحمل ابتداء هل هو على التحريم حتى يتبين أن المراد به الكراهة أو على الكراهة حتى يتبين أن المراد التحريم؟ وإلى أنه على الكراهة في الحديث ذهب اللخمي.
ثم قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾:
يريد بالطفل الذين لم يراهقوا، وبالذين لم يظهروا على عورات النساء على ما قال بعضهم الذين لم يطأوا النساء. وعلى ما قال بعضهم الذين لم يدروا ما عورات النساء. وهذا أحسن وإن كان القولان يرجعان إلى معنى واحد، فأباح الله تعالى للمذكورين في هذه الآية على اختلاف درجاتهم في الاطلاع على النساء من غير ضرورة واختلف هل يجوز أن يرى الرجل شعر ختنته أم لا على قولين. وسئل عن ذلك سعيد بن جبير فتلا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ثم قال: لا أراها فيهن. واختلف في العم والخال هل تضع المرأة خمارها عندهما أم لا؟ وكرهه الشعبي وعكرمة واحتج بأنهما لم يذكرا في الآية قالا: لأنهما ينعتانها لأبنائهما. ومن رأى العم والخال من الآباء أجاز ذلك. وذكر إسماعيل القاضي عن الحسن والحسين أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال أحسب أنهما في ذلك إلا أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 55] وكان ابن عباس يقول: إن رؤيتهما لهن تحل ويحتج بآية النور.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾:
قال الطبري: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جذعًا فجعلت ذلك في سياقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجذع فنزلت هذه الآية. وإسماع صوت هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من ابتدائها. ذكره الزجاج.
[ - - قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾]
الأيامى الذين لا أزوجا لهم رجالًا كانوا أو نساء. قال الشاعر: لله در على أيم منهم وناكح. والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل كل أحد كان وليًا أو مأذونًا له. والأول أظهر لأن المقصود من الخطاب ترك الفضل والمنع وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم على ذلك أيضًا بما يعقب قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ في قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ قالوا فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول. وقد اختلف في المرأة هل يجوز لها أن تتزوج بغير ولي أم لا فمنع جملة في المذهب وأجيز جملة في الثيبات والأبكار البوالغ وهو قول أبي حنيفة. وأجيز في الثيبات ومنع في البكر وهو قول أهل الظاهر. واعتبر أبو يوسف إذن الولي خاصة فهذه أربعة أقوال أجراها على الأصول القول الأول. وفي هذه الآية دليل عليه كما قدمنا. وإذا قلنا بذلك فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم منتهى هذه الآية إذ الآية تحتمل أن يزوج الولي الأيم شاءت أو أبت، ويحتمل أن يكون بأمرها، فقال عليه الصلاة والسلام: ((الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها)) فجعل الأيم أحق بنفسها أي أن الولي لا يزوجها إلا بإذنها. ثم قال: ((والبكر تستأذن في نفسها)) أي لا يعقد الولي أيضًا إلا بإذنها، وهي داخلة تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ((الأيم أحق بنفسها)) وقد كان ذلك يغني عن هذا، إلا أنه لما اختلفت سورة الإذن منها أعاد ذكرها فقال: ((والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها))، فجعل إذنها الصمات بخلاف غيرها من الأيامى. وهذا في غير البكر ذات الأب فإن الأب يعقد عليها ولا يحتاج إلى إذن بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في بعض رواية هذا الحديث: ((واليتيمة تستأمر في نفسها))، وهذا هو تحصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى في الآية والحديث. وقد تعلق بعضهم -وهو قول داود الأصبهاني- بظاهر الحديث فلم يجز للأب ولا لغيره إنكاح البكر صغيرة كانت أو كبيرة إلا بإذنها. ورأى بعضهم أن له ذلك في الصغيرة من الأبكار دون البالغة. ووجه تعلق هذين القولين ما جاء في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: ((والبكر تستأذن في نفسها)) فتأوله كل فريق على رأيه. وروي عن الحسن أن الأب يزوج البكر والثيب بغير إذنهما وإن كرهتا. فهذه أربعة أقوال في ذات الأب أعدلها قول مالك رحمه الله تعالى. وظاهر الآية يقتضي أن ذلك نكاح للأولياء ولم يشترط الإذن، إلا أن الدليل القاطع دل على أن المالكات أمورهن من نساء ومن لا أب لها من غير المالكات أمورهن لا يزوجن إلا بإذنهن وبقي الغير تحت العموم حتى يخصص بدليل قاطع.
[ - قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾]
يريد الذين يصلحون للنكاح منهم ذكورهم وإناثهم. والمخاطبون بإنكاحهن السادة، ولا خلاف في هذا. وقد اختلف هل للسيد أن يجبر عبده وإماءه على النكاح أم لا؟ ففي المذهب أن له أن يجبر إذا لم يرد ضررًا. وحكي عن أبي حنيفة مثله، وهو أحد قولي الشافعي. وفي أحد قولي الشافعي أنه لا يجبرهما، قاله أبو ثور واستحسنه المروزي، وقال أصحاب الرأي يكره أمته ولا يكره عبده، فهذه ثلاثة أقوال أصحها القول الأول دليله قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ولم يشترط رضاهم. وقد تعترض هذه الحجة بأنه يلزم مثل ذلك في الأيامى الأحرار لأن الأمر في الآية ورد فيها ورودًا واحدًا. وقد قال النخعي كانوا يكرهون المملوكين على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب واختلف هل يجبر السيد على إنكاح العبد إذا طلب منه ذلك أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجبر، وقال الشافعي يجبر ومن حجته قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا﴾ فأمر بإنكاحهم. والحجة للقول الأول مبسوطة في غير ما كتاب من كتب المذهب، والذي يقال في الآية إن الأمر فيها أمر عام فهو يختلف بظاهر الآية ومنهم ومن لا يلزم له ذلك بحسب ما تخصص به العموم في القياس أو الأثر.
فهرس الكتاب