قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةࣰۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱ وَإِنَّنِي بَرِيٓءࣱ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ 19
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، [ ص: 234 ] و”اَلشّاهِدُ“: هو المُبَيِّنُ لِدَعْوى المُدَّعِي، فَأمَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - نَبِيَّهُ بِأنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ الواحِدِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وخَلَقَ الظُّلُماتِ والنُّورِ، وخَلَقَهم أطْوارًا، عَلى ما بَيَّنَ في كِتابِهِ، وأمَرَ أنْ يُعْلِمَهم أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، وإقامَةَ البَراهِينِ في تَوْحِيدِهِ أكْبَرُ شَهادَةً، وأنَّ القُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ يَشْهَدُ لَهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، اَلَّذِي اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّهُ خالِقُ هَذِهِ الأشْياءِ، ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ﴾، فَفي الإنْذارِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِمِثْلِهِ، ولا يَأْتِي بِمِثْلِهِ، لِأنَّ فِيهِ أخْبارَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، جاءَ بِها - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ الكُتُبَ، وأنْبَأ بِما سَيَكُونُ، وكانَ ما أنْبَأ بِهِ حَقًّا، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: 67]، وكانَ ﷺ مَعْصُومًا مِنهُمْ، وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]، فَأظْهَرَ اللَّهُ دِينَ الإسْلامِ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وغَلَبَةِ المُسْلِمِينَ عَلى أكْثَرِ أقْطارِ الأرْضِ، وقالَ في اليَهُودِ، وكانُوا في وقْتِ مَبْعَثِهِ أعَزَّ قَوْمٍ وأمْتَنَهُ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: 61]، فَهم أذِلّاءُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَأنْبَأ اللَّهُ في القُرْآنِ بِما كانَ، وما يَكُونُ، وأتى بِهِ مُؤَلَّفًا تَأْلِيفًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ أنْ يَأْتِيَ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وهم في الوَقْتِ الَّذِي قِيلَ لَهم: لِيَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، خُطَباءُ شُعَراءُ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم أوْجَزُ مِنَ الكَلامِ المَنثُورِ، والمَوْزُونِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ.