وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءࣲۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحࣰاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةࣱۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 228
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [البقرة: 228]
(1) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن). قدّم الفاعل فصار مبتدأ وأخّر الفعل فصار خبرا، ولم يقل: يتربص المطلقات، وهذا التقديم يفيد التأكيد والقوة، وهو أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة، لأنه عندما ابتدأ الكلام فقال (والمطلقات) حصل في العقل شوق إلى معرفة خبرهنّ، فكأنّ العقل يقول ما بالهنّ؟ فيأتي الجواب، ويقبله العقل قبول العاشق للمعشوق، وهذا الأسلوب في البيان وإن كان أسلوبا أدبيا إلا أنّ أثره التربوي لا يخفى على العاقل.
(2) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن). أمر جاء في صيغة الخبر، وهو يُشعر بوجوب المسارعة إلى تطبيق الأمر حتى كأنّ الأمر حصل فصار خبرا، وهذا يفيد الثقة في التنفيذ، وهذه المسألة وإن كانت مسألة بلاغية إلا أنّ مدلولها التربوي في ربط العمل بالعلم واضح جدا.
(3) قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِن﴾. ولم يقل: والمطلقات يتربصن ثلاثة قروء، مع أنه لو قال ذلك لكان صحيحا، قال الإمام الرازي: «في ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث، وذلك لأنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص». قلت: وهناك مدلول آخر وهو أنّ المرأة المطلقة تطمح إلى الزواج في أقرب وقت وربما من أول خاطب كي تثبت للناس أنّ الخلل الذي أدى إلى الطلاق كان من الزوج ولم يكن منها، أيك لتثبت كفاءتها كزوجة. ثم هناك مدلول ثالث، وهو أنّ المرأة المطلقة تطمح إلى الزواج أكثر من الفتاة التي لم تتزوج بعد ، وذلك لقلة الطلب عليها، ومن هنا احتاجت إلى زيادة تأكيد في لزوم العدة وعدم تجاوزها.
(4) قوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوء). المراد بذلك عدة المطلقة، ويذكر المفسرون والفقهاء أنّ المراد من العدة هو استبراء الرحم من الحمل، قلت: تعليل العدة باستبراء الرحم من الحمل وإن كان صحيحا فإنه ليس كافيا، ودليل ذلك هو وجوب عدة مماثلة، وهي ثلاثة أشهر، لمن يئست من المحيض بسبب كبر سنها ولمن لم تحض لصغر سنها. ولذلك نقول: هناك مدلول آخر للعدة وهو مدلول تربوي، وهو اختبار مشاعر الزوجين تجاه بعضهما، لأنّ الطلاق يحصل عادة عندما يصل الزوجان أو أحدهما إلى قناعة تامة بأنّ الحياة الزوجية قد تحولت إلى جحيم لا يطاق وأنّ الفراق سيكون نعيما، فإذا حصل الطلاق كانت العدة كي يعيد كل واحد من الزوجين حساباته ويختبر مشاعره تجاه الآخر، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى وكذلك النعمة تاج على رؤوس الناس لا يحس بها إلا من فقدها، ويحصل كثيرا أن تتغير نظرة الزوج إلى الزوجة أو العكس أثناء هذا الاختبار، فيقتنع الزوجان أنّ الفراق جحيم وأنّ الرجوع إلى قفص الزوجية هو النعيم، وخاصة أنّ الطلاق يترافق في غالب الأحيان بحالة من الغضب أو اليأس أو الملل أو الانزعاج، ولذلك جعل الإسلام عدّة المطلقة في بيت زوجها. فإن قال قائل: قد تنقضي العدة خلال عشرة أيام عند الحامل المطلقة، فأين القروء الثلاثة أو الأشهر الثلاثة لاختبار المشاعر؟. والجواب على ذلك: إنّ الأمر هنا مختلف، فحصول الوضع خلال مدة يسيرة يُحدث حالة أهم من اختيار المشاعر، وهذه الحالة هي وجود مولود هو ثمرة الزواج، وهذا يحتاج إلى قرار سريع من الرجل، فإما أن يعيد المرأة كي ينمو الطفل في ظل والديه وهو الجو الطبيعي للنمو، وإما أن يقبل بحضانة الأم للولد وفي هذه الحالة سيعيش الولد محروما من الأب في فترة الحضانة ثم سيعيش محروما من الأم في بقية عمره، وهذه الحالة كما قلنا تتطلب القرار السريع ولا مجال لتجربة اختبار المشاعر، وهناك علة أخرى في هذه المسألة وهي: إنّ قدوم المولود سيغير مشاعر الأب ويجعله يعيد الأم إلى عصمته، فإن لم يحصل ذلك فانقضاء العدة أولى، لأنّ اختبار المشاعر حصل هنا بقدوم المولود.
(5) قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. نلمح في هذا القول أسلوب القرآن الفريد في التربية من خلال الربط بين تطبيق الأحكام الشرعية وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بالله واليوم الآخر هو الضمانة الوحيدة لتطبيق الأحكام الشرعية عند المؤمنين، وخاصة الأحكام التي لا سبيل إلى المجتمع لمعرفتها إلا بإخبار صاحب العلاقة عنها، كما هو الحال هنا في إخبار المرأة المعتدة عن الحيض أو الحمل، وهذا الربط يحمل معنى الترهيب والوعيد، قال الإمام القرطبي: «هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه، أي: فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق».
(6) قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾. معناه: ولهن من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد التربية، إذ لو كان للمرأة حقوق ولا واجبات عليها لأدى ذلك إلى فساد تربية المرأة بالدلال المفرط، ولو كان على المرأة واجبات ولا حقوق لها لأدى ذلك إلى فساد تربية المرأة بالحرمان المفرط، والتوازن بين الحقوق والواجبات يخلق الشخصية السوية المتوازنة من جميع النواحي.
(7) قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾. قلت: هذه الدرجة هي درجة القوامة، أي: قيام الرجل على تدبير شؤون المرأة وإصلاحها، وهذا يعني إعطاء الرجل الحق في تربية المرأة وإصلاحها، وبغير هذا الحق لا تصلح المرأة ولا يصلح الأولاد، وبالتالي تكف الأسرة عن القيام بدورها التربوي في بناء المجتمع، وهذه الدرجة هي درجة الإمارة والإدارة وهو معنى القوامة.
(8) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾. قال الإمام الطبري: «وإنما توعد الله تعالى ذكره عباده، لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرّم عليهم أو نهاهم عنه، من ابتداء قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ إلى قوله: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو الحجى فيتقوا عقابه ويحذروا عذابه».
(1) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن). قدّم الفاعل فصار مبتدأ وأخّر الفعل فصار خبرا، ولم يقل: يتربص المطلقات، وهذا التقديم يفيد التأكيد والقوة، وهو أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة، لأنه عندما ابتدأ الكلام فقال (والمطلقات) حصل في العقل شوق إلى معرفة خبرهنّ، فكأنّ العقل يقول ما بالهنّ؟ فيأتي الجواب، ويقبله العقل قبول العاشق للمعشوق، وهذا الأسلوب في البيان وإن كان أسلوبا أدبيا إلا أنّ أثره التربوي لا يخفى على العاقل.
(2) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن). أمر جاء في صيغة الخبر، وهو يُشعر بوجوب المسارعة إلى تطبيق الأمر حتى كأنّ الأمر حصل فصار خبرا، وهذا يفيد الثقة في التنفيذ، وهذه المسألة وإن كانت مسألة بلاغية إلا أنّ مدلولها التربوي في ربط العمل بالعلم واضح جدا.
(3) قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِن﴾. ولم يقل: والمطلقات يتربصن ثلاثة قروء، مع أنه لو قال ذلك لكان صحيحا، قال الإمام الرازي: «في ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث، وذلك لأنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص». قلت: وهناك مدلول آخر وهو أنّ المرأة المطلقة تطمح إلى الزواج في أقرب وقت وربما من أول خاطب كي تثبت للناس أنّ الخلل الذي أدى إلى الطلاق كان من الزوج ولم يكن منها، أيك لتثبت كفاءتها كزوجة. ثم هناك مدلول ثالث، وهو أنّ المرأة المطلقة تطمح إلى الزواج أكثر من الفتاة التي لم تتزوج بعد ، وذلك لقلة الطلب عليها، ومن هنا احتاجت إلى زيادة تأكيد في لزوم العدة وعدم تجاوزها.
(4) قوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوء). المراد بذلك عدة المطلقة، ويذكر المفسرون والفقهاء أنّ المراد من العدة هو استبراء الرحم من الحمل، قلت: تعليل العدة باستبراء الرحم من الحمل وإن كان صحيحا فإنه ليس كافيا، ودليل ذلك هو وجوب عدة مماثلة، وهي ثلاثة أشهر، لمن يئست من المحيض بسبب كبر سنها ولمن لم تحض لصغر سنها. ولذلك نقول: هناك مدلول آخر للعدة وهو مدلول تربوي، وهو اختبار مشاعر الزوجين تجاه بعضهما، لأنّ الطلاق يحصل عادة عندما يصل الزوجان أو أحدهما إلى قناعة تامة بأنّ الحياة الزوجية قد تحولت إلى جحيم لا يطاق وأنّ الفراق سيكون نعيما، فإذا حصل الطلاق كانت العدة كي يعيد كل واحد من الزوجين حساباته ويختبر مشاعره تجاه الآخر، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى وكذلك النعمة تاج على رؤوس الناس لا يحس بها إلا من فقدها، ويحصل كثيرا أن تتغير نظرة الزوج إلى الزوجة أو العكس أثناء هذا الاختبار، فيقتنع الزوجان أنّ الفراق جحيم وأنّ الرجوع إلى قفص الزوجية هو النعيم، وخاصة أنّ الطلاق يترافق في غالب الأحيان بحالة من الغضب أو اليأس أو الملل أو الانزعاج، ولذلك جعل الإسلام عدّة المطلقة في بيت زوجها. فإن قال قائل: قد تنقضي العدة خلال عشرة أيام عند الحامل المطلقة، فأين القروء الثلاثة أو الأشهر الثلاثة لاختبار المشاعر؟. والجواب على ذلك: إنّ الأمر هنا مختلف، فحصول الوضع خلال مدة يسيرة يُحدث حالة أهم من اختيار المشاعر، وهذه الحالة هي وجود مولود هو ثمرة الزواج، وهذا يحتاج إلى قرار سريع من الرجل، فإما أن يعيد المرأة كي ينمو الطفل في ظل والديه وهو الجو الطبيعي للنمو، وإما أن يقبل بحضانة الأم للولد وفي هذه الحالة سيعيش الولد محروما من الأب في فترة الحضانة ثم سيعيش محروما من الأم في بقية عمره، وهذه الحالة كما قلنا تتطلب القرار السريع ولا مجال لتجربة اختبار المشاعر، وهناك علة أخرى في هذه المسألة وهي: إنّ قدوم المولود سيغير مشاعر الأب ويجعله يعيد الأم إلى عصمته، فإن لم يحصل ذلك فانقضاء العدة أولى، لأنّ اختبار المشاعر حصل هنا بقدوم المولود.
(5) قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. نلمح في هذا القول أسلوب القرآن الفريد في التربية من خلال الربط بين تطبيق الأحكام الشرعية وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بالله واليوم الآخر هو الضمانة الوحيدة لتطبيق الأحكام الشرعية عند المؤمنين، وخاصة الأحكام التي لا سبيل إلى المجتمع لمعرفتها إلا بإخبار صاحب العلاقة عنها، كما هو الحال هنا في إخبار المرأة المعتدة عن الحيض أو الحمل، وهذا الربط يحمل معنى الترهيب والوعيد، قال الإمام القرطبي: «هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه، أي: فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق».
(6) قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾. معناه: ولهن من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد التربية، إذ لو كان للمرأة حقوق ولا واجبات عليها لأدى ذلك إلى فساد تربية المرأة بالدلال المفرط، ولو كان على المرأة واجبات ولا حقوق لها لأدى ذلك إلى فساد تربية المرأة بالحرمان المفرط، والتوازن بين الحقوق والواجبات يخلق الشخصية السوية المتوازنة من جميع النواحي.
(7) قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾. قلت: هذه الدرجة هي درجة القوامة، أي: قيام الرجل على تدبير شؤون المرأة وإصلاحها، وهذا يعني إعطاء الرجل الحق في تربية المرأة وإصلاحها، وبغير هذا الحق لا تصلح المرأة ولا يصلح الأولاد، وبالتالي تكف الأسرة عن القيام بدورها التربوي في بناء المجتمع، وهذه الدرجة هي درجة الإمارة والإدارة وهو معنى القوامة.
(8) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾. قال الإمام الطبري: «وإنما توعد الله تعالى ذكره عباده، لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرّم عليهم أو نهاهم عنه، من ابتداء قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ إلى قوله: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو الحجى فيتقوا عقابه ويحذروا عذابه».