وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدࣰا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 80
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 80-82]
(1) يبدو من خلال هذه الآيات في بني إسرائيل ضخامة الدور الذي يمارسه اليهود في محاربتهم للدعوة الإسلامية رغم قلة عددهم في المدينة المنورة آنذاك، وما زال اليهود يمارسون هذا الدور حتى الآن، فالمسألة ليست مسألة عدد قليل، وإنما هي نوعية معينة تمتلك من أساليب الحرب مالا يُحسنه غيرها ولا يستطيعه سواها. ومن هنا نجد العناية الإلهية بالمسلمين حيث يعلمهم كيف يردون على ادعاءات اليهود, وكيف يفنّدون حججهم, وكيف يكشفون زيفهم, ويلقن اللهُ رسوله والمؤمنين الحجة بعد الحجة والدليل بعد الدليل والبرهان تلو البرهان , فيا لها من عناية تجعل المسلم يحس أنه لا يقف وحده في مواجهة أعدائه, بل يقف الله معه ويدافع عنه.
(2) قول اليهود: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، يذكره القرآن ويبيّن زيفه كي لا يقع المسلمون في مثله , ومع ذلك نجد أنّ المسلمين في عصرنا لم ينتفعوا بهذا البيان بل أصبحوا يرددون هذا القول عن أنفسهم , فوقعوا في مثل ما وقع فيه اليهود. إنّ هذا القول: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة , يقوله أهل الأديان, وما هو إلا أمنية جاهل وأكذوبة عالم, يلجأ إليه المنحرفون عن العقيدة الصحيحة حين لا يبقى لهم من الإسلام إلا اسمه، ومن المصحف إلا رسمه.
(3) الفائدة التربوية التي نحصل عليها من هذه الآية هي أنه تعالى عاب على اليهود القول من غير دليل, وهذا يعني أنّ القول بلا دليل باطل. وهذه قاعدة مهمة في مجال التربية العقلية في الإسلام يجب تربية المسلم عليها, فيجب عليه أن لا يقول قولا بلا دليل، كما يجب عليه أن لا يقبل قولا من غير دليل, لأنّ الدليل هو طريق النجاة في الآخرة.
(4) من رحمته تعالى بالناس ومن كمال تربيته للمؤمنين أنه لم يكتف ببيان بطلان قول اليهود وادعائهم، بل عقّب ذلك ببيان الطريق الصحيح والطريق الخاطئ، فقال في وصف الطريق الخاطئ الذي يؤدي إلى النار: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾، وقال في وصف الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الجنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
(5) قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ يدل على أنّ الذنوب مهما صغرت إذا اجتمعت على الرجل أهلكته وأدخلته النار, وهذا المعنى موجود في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل يهلكنه» (أحمد). ولذلك فإنّ التربية الإسلامية تقوم على مبدأ هام , وهو عدم الاقتراب من الذنوب مهما قلت, والتوبة من الذنوب مباشرة من دون تأجيل, وقطع الطريق التي قد تؤدي إلى الوقوع في الذنوب، وعدم التهاون في الذنوب.
(6) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ يدل على أنّ العمل الصالح جزء من الإيمان، ويدل على أنّ العمل هو الأساس في الحكم على صحة الإيمان , فلا قيمة لقول من غير عمل, إنّ العمل هو الذي يصدق الإيمان أو يكذبه. فما أحوج الذين يدّعون الإيمان إلى هذه الحقيقة, لأنّ الإيمان قد تحول عند قسم كبير من المسلمين إلى مجرد كلمات تقال باللسان, أي مجرد ادعاء لا مصداق له من عمل, هذا ناهيك عن أولئك الذين يرتكبون كل الذنوب ويحاربون الإسلام وهم يظنون أنهم مسلمون قد استحقوا الإسلام بكلمات تقال باللسان, هكذا تحول الإيمان عند المسلمين إلى مجرد ادعاء، كما تحول دخول الجنة عند اليهود إلى مجرد ادعاء!.
(7) قرن الله تعالى الترغيب مع الترهيب والوعد مع الوعيد عندما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ بعد قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
قال الإمام الرازي في تفسيره منبّها إلى هذه الوقفة التربوية: «اعلم أنه تعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا ذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: (أحدها) ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان. (وثانيها) أنّ المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قاله بعض السلف الصالح: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. (وثالثها) أنه يظهر بوعده كمال رحمته, وبوعيده كمال حكمته, فيصير ذلك سببا للعرفان».
(1) يبدو من خلال هذه الآيات في بني إسرائيل ضخامة الدور الذي يمارسه اليهود في محاربتهم للدعوة الإسلامية رغم قلة عددهم في المدينة المنورة آنذاك، وما زال اليهود يمارسون هذا الدور حتى الآن، فالمسألة ليست مسألة عدد قليل، وإنما هي نوعية معينة تمتلك من أساليب الحرب مالا يُحسنه غيرها ولا يستطيعه سواها. ومن هنا نجد العناية الإلهية بالمسلمين حيث يعلمهم كيف يردون على ادعاءات اليهود, وكيف يفنّدون حججهم, وكيف يكشفون زيفهم, ويلقن اللهُ رسوله والمؤمنين الحجة بعد الحجة والدليل بعد الدليل والبرهان تلو البرهان , فيا لها من عناية تجعل المسلم يحس أنه لا يقف وحده في مواجهة أعدائه, بل يقف الله معه ويدافع عنه.
(2) قول اليهود: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، يذكره القرآن ويبيّن زيفه كي لا يقع المسلمون في مثله , ومع ذلك نجد أنّ المسلمين في عصرنا لم ينتفعوا بهذا البيان بل أصبحوا يرددون هذا القول عن أنفسهم , فوقعوا في مثل ما وقع فيه اليهود. إنّ هذا القول: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة , يقوله أهل الأديان, وما هو إلا أمنية جاهل وأكذوبة عالم, يلجأ إليه المنحرفون عن العقيدة الصحيحة حين لا يبقى لهم من الإسلام إلا اسمه، ومن المصحف إلا رسمه.
(3) الفائدة التربوية التي نحصل عليها من هذه الآية هي أنه تعالى عاب على اليهود القول من غير دليل, وهذا يعني أنّ القول بلا دليل باطل. وهذه قاعدة مهمة في مجال التربية العقلية في الإسلام يجب تربية المسلم عليها, فيجب عليه أن لا يقول قولا بلا دليل، كما يجب عليه أن لا يقبل قولا من غير دليل, لأنّ الدليل هو طريق النجاة في الآخرة.
(4) من رحمته تعالى بالناس ومن كمال تربيته للمؤمنين أنه لم يكتف ببيان بطلان قول اليهود وادعائهم، بل عقّب ذلك ببيان الطريق الصحيح والطريق الخاطئ، فقال في وصف الطريق الخاطئ الذي يؤدي إلى النار: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾، وقال في وصف الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الجنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
(5) قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ يدل على أنّ الذنوب مهما صغرت إذا اجتمعت على الرجل أهلكته وأدخلته النار, وهذا المعنى موجود في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل يهلكنه» (أحمد). ولذلك فإنّ التربية الإسلامية تقوم على مبدأ هام , وهو عدم الاقتراب من الذنوب مهما قلت, والتوبة من الذنوب مباشرة من دون تأجيل, وقطع الطريق التي قد تؤدي إلى الوقوع في الذنوب، وعدم التهاون في الذنوب.
(6) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ يدل على أنّ العمل الصالح جزء من الإيمان، ويدل على أنّ العمل هو الأساس في الحكم على صحة الإيمان , فلا قيمة لقول من غير عمل, إنّ العمل هو الذي يصدق الإيمان أو يكذبه. فما أحوج الذين يدّعون الإيمان إلى هذه الحقيقة, لأنّ الإيمان قد تحول عند قسم كبير من المسلمين إلى مجرد كلمات تقال باللسان, أي مجرد ادعاء لا مصداق له من عمل, هذا ناهيك عن أولئك الذين يرتكبون كل الذنوب ويحاربون الإسلام وهم يظنون أنهم مسلمون قد استحقوا الإسلام بكلمات تقال باللسان, هكذا تحول الإيمان عند المسلمين إلى مجرد ادعاء، كما تحول دخول الجنة عند اليهود إلى مجرد ادعاء!.
(7) قرن الله تعالى الترغيب مع الترهيب والوعد مع الوعيد عندما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ بعد قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
قال الإمام الرازي في تفسيره منبّها إلى هذه الوقفة التربوية: «اعلم أنه تعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا ذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: (أحدها) ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان. (وثانيها) أنّ المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قاله بعض السلف الصالح: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. (وثالثها) أنه يظهر بوعده كمال رحمته, وبوعيده كمال حكمته, فيصير ذلك سببا للعرفان».