أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ 77 وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ 78 فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ 79 وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 80 بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 81 وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 82 وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ 83
الصفحة 12

تفسير سورة البقرة - الآية 83

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانࣰا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلࣰا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ 83

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83]
(1) إنّ أول ما يلفت النظر في هذا الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل هو أنّ مضمونه مجموعة من القواعد هي نفسها قواعد الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, وهذا: يدل (أولا) على وحدة دين الله، وكون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو تصديق لما جاء به الأنبياء من قبله. ويدل (ثانيا) على مدى التعصب والتعنت والعناد الذي يتصف به اليهود, لأنّ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هوَ هو ما جاء به موسى عليه السلام، ومع ذلك لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه ليس منهم.
(2) قرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين في خمسة مواضع هي: قوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ [البقرة: 83]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ [النساء: 36]، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ [الأنعام: 151]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ [الإسراء: 23]، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير﴾ [لقمان: 14].
وإنما قرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين لأسباب: (أحدها) أنّ الله تعالى هو المؤثر في وجود الإنسان حقيقة والوالدين هما المؤثران في وجود الإنسان ظاهرا, فقرن بين الحقيقة والظاهر. (والثاني) أنّ النشأة الأولى، الخلق والإيجاد، من الله, والنشأة الثانية، التربية والتعليم، من الوالدين. (والثالث) أنّ الله ينعم على الإنسان من غير عِوَض، ولا يتوقف هذا الإنعام حتى لو كان الإنسان كافرا, وكذا الوالدان ينعمان على الإنسان من غير عوض، ولا يتوقف هذا الإنعام حتى لو كان الولد مخالفا لوالديه في الدين والملة. ولذلك يجب على المسلم تعظيم الوالدين، والإحسان إليهما، ومعاشرتهما بالمعروف، والبر بهما، وعدم إيذائهما، وإيصال المنافع إليهما، وإن كانا كافرين, لأنّ هذا الإحسان إليهما لم يستحقاه على الإيمان وإنما استحقاه لكونهم والدين. والقاعدة المهمة التي نتوصل إليها في هذا الِشأن هي أنه لا يحق لمسلم أن يفرق بين ما جمع الله, والمراد بذلك التفريق بين عبادته تعالى والإحسان إلى الوالدين.
(3) أمر الله تعالى الولد بأن يبر والديه ويحسن إليهما، ولم يأمر الوالدين بأن يبرا ولدهما ويحسنا إليه, لماذا؟ لأنّ إحسان الوالدين إلى الولد هو من الفطرة التي فطرا عليها، فهما لا يملان من الإحسان إليه وإن كان مسيئا لهما في المعاملة، وإن كان مخالفا لهما في الديانة, أما إحسان الولد إلى الوالدين فليس فطرة في داخله، وإنما هو أمر مكتسب يكتسبه الولد بالتربية والتعليم، والله أعلم.
(4) قرن الله تعالى بين حق الوالدين وحق ذي القربى في ثمانية مواضع من كتابه، فقال تعالى في هذه الآية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى﴾ وذلك لأنّ حق ذي القربى تابع لحق الوالدين, فالإنسان يتصل بالقرابة من خلال الوالدين, فمن هنا قرن بين حق الوالدين وحق ذي القربى، وقدم حق الوالدين على حق ذي القربى, والسبب في تأكيد رعاية هذا الحق هو أنّ القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة, فلهذا أوجب الله رعاية حق الأقارب.
(5) قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا﴾ أي: كلموهم كلاما حسنا طيبا جميلا, وهذا الخطاب للناس كل الناس وليس للمؤمنين فقط, وهذا مما يجب أن يتصف به المسلم في كلامه مع الناس, وقد نبّه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الكلمة الطيبة، وما لها من أثر في النفوس فقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله ولو بشق تمرة, فإن لم تجد فكلمة طيبة» (البخاري)، وقال أيضا: «لا تحقرن من المعروف شيئا, وإن لم تجد فالق أخاك بوجه طلق» (مسلم والترمذي ). والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون في إطار القول الحسن, فمن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف, ومن نهى عن منكر فلا يكن نهيه بمنكر بل ليكن نهيه بمعروف, ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فعليه أن يعفو ويصفح ويحلم ويصبر، وكل ذلك من القول الحسن, ولأهمية الكلمة نقول: قد تكون الكلمة الطيبة سببا في دخول الإسلام, وقد تكون الكلمة السيئة سببا في النفرة والبعد عن الإسلام, واعلم أنّ الكفر يكون بكلمة وأنّ الإسلام يكون بكلمة, ومفتاح الخير كلمة ومفتاح الشر كلمة, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب كلمة يقولها المرء لا يلقي لها بالا تهوي به في جهنم سبعين خريفا»، فقيل: يا رسول الله, أومؤآخذون بما نقول؟ فقال: «وهل يكبّ الناسَ على وجوهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم» (البخاري والترمذي).
فهرس الكتاب