أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقࣱ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةࣰۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلࣲ قَرِيبࣲۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلࣱ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرࣱ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا 77
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: 77]
(1) أخرج النسائي عن ابن عباس: «أنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله, كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم, فلما حوّله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا, فنزلت الآية» (النسائي). ولا شك أنّ الأمر بكف الأيدي وتحريم القتال في المراحل الأولى للدعوة كما كان الحال في مكة له مدلولات، وفيه حِكم، ومنه فوائد, نذكر منها: (أولا) قلة عدد المسلمين، وبالتالي الأمر بالقتال أو الإذن به قد يؤدي إلى القضاء على الدعوة نهائيا. (ثانيا) تعويد المسلم على الصبر وعلى ضبط الأعصاب وعلى الذوبان في الجماعة، حيث يتخلص من فرديته ومن شخصيته الخاصة, وكل هذه الصفات يحتاجها المسلم لأداء دوره في حمل الرسالة وإيصال الأمانة. (ثالثا) الأصل في دعوة الإسلام هو السلمية، ولا يلجأ المسلمون إلى القتال إلا إذا تعذر تحقيق الأهداف بالوسائل السلمية, وذلك أنّ السلمية أشد أثرا في النفوس وأكثر نفوذا في القلوب. (رابعا) عدم اللجوء إلى القتال رغم الظلم الحاصل على المسلمين يعني أنهم في موضع المظلوم، وهذا يثير النفوس ويجيّش القلوب فيجعلها تتعاطف معهم وهذا من طبائع النفوس وفطرتها الإنسانية. (خامسا) كون المسلمين في بلد له حرمته وهو مكة، ولو أمروا بالقتال فيه ابتداء فربما قلل ذلك من هيبة الإسلام في نفوس أعدائه وظهر كأنه يدعو إلى انتهاك حرمات هو يقر بها أصلا.
(2) قوله تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾. قال الرازي في المدلول التربوي لهذا الترتيب: «دلت الآية على إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد, وهذا هو الترتيب المطابق لما في القول, لأنّ الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله, والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله, ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد».
(3) نقف في هذا النص أمام ظاهرة مرضية هي من أهم الظواهر في الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي، وهذه الظاهرة هي أنّ أشد المسلمين حماسا واندفاعا في مجال الجهاد قد يكونون أشد المسلمين جزعا وانهيارا حين يجد الجد وتقع الواقعة, وذلك أنّ الحماس والتهور يأتي من ضعف العقل في تقدير الموقف، ومن ضعف النفس في الصبر والتحمل, وبالعكس نجد أنّ أقل المسلمين حماسة واندفاعا وتهورا يكونون من أقل المسامين جزعا وهزيمة وانهيارا حين يجد الجد وتقع الواقعة وتحصل ساعة اللقاء مع الأعداء, ولأصحاب هذه الظاهرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية, فإن لقيتموهم فاثبتوا» (البخاري)، ولهذه الفئة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِين﴾ فهذا تعجيب من أمرهم وتحذير لغيرهم من سلوك سبلهم.
(4) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾. هذا من الله تعالى تسلية للمؤمنين عما يلاقونه في الدنيا وترغيب لهم في الآخرة, وفيه تحريض على الجهاد لأنّ الذين طلبوا تأخير القتال في الآية فمقصودهم الحصول على أكبر قدر من متاع الدنيا، فبيّن تعالى أنّ متاع الدنيا كلها شيء زهيد لا قيمة له, وفي هذا تزهيد للمؤمنين وللناس من الدنيا, لأنّ الدنيا كلها شيء زهيد بحساب الآخرة, وبهذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» (أحمد)، وقال الحسن البصري بعد أن قرأ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل﴾: «رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك, وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه» (ابن كثير).
(1) أخرج النسائي عن ابن عباس: «أنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله, كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم, فلما حوّله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا, فنزلت الآية» (النسائي). ولا شك أنّ الأمر بكف الأيدي وتحريم القتال في المراحل الأولى للدعوة كما كان الحال في مكة له مدلولات، وفيه حِكم، ومنه فوائد, نذكر منها: (أولا) قلة عدد المسلمين، وبالتالي الأمر بالقتال أو الإذن به قد يؤدي إلى القضاء على الدعوة نهائيا. (ثانيا) تعويد المسلم على الصبر وعلى ضبط الأعصاب وعلى الذوبان في الجماعة، حيث يتخلص من فرديته ومن شخصيته الخاصة, وكل هذه الصفات يحتاجها المسلم لأداء دوره في حمل الرسالة وإيصال الأمانة. (ثالثا) الأصل في دعوة الإسلام هو السلمية، ولا يلجأ المسلمون إلى القتال إلا إذا تعذر تحقيق الأهداف بالوسائل السلمية, وذلك أنّ السلمية أشد أثرا في النفوس وأكثر نفوذا في القلوب. (رابعا) عدم اللجوء إلى القتال رغم الظلم الحاصل على المسلمين يعني أنهم في موضع المظلوم، وهذا يثير النفوس ويجيّش القلوب فيجعلها تتعاطف معهم وهذا من طبائع النفوس وفطرتها الإنسانية. (خامسا) كون المسلمين في بلد له حرمته وهو مكة، ولو أمروا بالقتال فيه ابتداء فربما قلل ذلك من هيبة الإسلام في نفوس أعدائه وظهر كأنه يدعو إلى انتهاك حرمات هو يقر بها أصلا.
(2) قوله تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾. قال الرازي في المدلول التربوي لهذا الترتيب: «دلت الآية على إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد, وهذا هو الترتيب المطابق لما في القول, لأنّ الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله, والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله, ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد».
(3) نقف في هذا النص أمام ظاهرة مرضية هي من أهم الظواهر في الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي، وهذه الظاهرة هي أنّ أشد المسلمين حماسا واندفاعا في مجال الجهاد قد يكونون أشد المسلمين جزعا وانهيارا حين يجد الجد وتقع الواقعة, وذلك أنّ الحماس والتهور يأتي من ضعف العقل في تقدير الموقف، ومن ضعف النفس في الصبر والتحمل, وبالعكس نجد أنّ أقل المسلمين حماسة واندفاعا وتهورا يكونون من أقل المسامين جزعا وهزيمة وانهيارا حين يجد الجد وتقع الواقعة وتحصل ساعة اللقاء مع الأعداء, ولأصحاب هذه الظاهرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية, فإن لقيتموهم فاثبتوا» (البخاري)، ولهذه الفئة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِين﴾ فهذا تعجيب من أمرهم وتحذير لغيرهم من سلوك سبلهم.
(4) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾. هذا من الله تعالى تسلية للمؤمنين عما يلاقونه في الدنيا وترغيب لهم في الآخرة, وفيه تحريض على الجهاد لأنّ الذين طلبوا تأخير القتال في الآية فمقصودهم الحصول على أكبر قدر من متاع الدنيا، فبيّن تعالى أنّ متاع الدنيا كلها شيء زهيد لا قيمة له, وفي هذا تزهيد للمؤمنين وللناس من الدنيا, لأنّ الدنيا كلها شيء زهيد بحساب الآخرة, وبهذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» (أحمد)، وقال الحسن البصري بعد أن قرأ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل﴾: «رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك, وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه» (ابن كثير).