سورة الأعرافبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِالٓمٓصٓ 1 كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 2 ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ 3 وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ 4 فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ 5 فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 6 فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ 7 وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 8 وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ 9 وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ 10 وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ 11
الصفحة 151

تفسير سورة الأعراف - الآية 4

وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ 4

﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 4-9]
(1) قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾. لما أمر الله رسوله بالتبليغ والإنذار وأمر الأمة بالقبول والاتباع ذكر في هذه الآيات الوعيد الدنيوي بالعذاب والهلاك والأخذ لمن أعرض عن كتاب الله من خلال تذكير أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما حصل للأمم قبلها, وهو موقف متكرر يصيب المكذبين برسالة الله، والذين أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا معصومين من ذلك الموقف, موقف الهلاك في الدنيا.
(2) قوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُون﴾. أي: جاءهم العذاب والهلاك في وقت الغفلة, الوقت الذي لا يتوقعون فيه عذابا, وفيه تربية للناس على عدم الانخداع بالأمن والراحة والفراغ لأنّ عذاب الله إن وقع فإنه يقع من غير أمارة سابقة تدل على وقوعه, فلابد من المسارعة إلى التوبة إلى الله والإيمان بالله وعدم الأمن من مكر الله.
(3) قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِين﴾. أي: أقروا بالذنب حيث لا ينفع إقرار, وتابوا من ظلمهم حيث لا تنفع توبة وينفع إقرار, والعاقل من اعتبر بغيره واستفاد من تجربة غيره.
(4) قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِين﴾. هاتان الآيتان فيهما نوع آخر من التهديد والوعيد, وهو وعيد أخروي يحصل يوم القيامة, ومضمونه المسائلة عن الأعمال, مسألة تقرير, وهو سؤال تقريع وتوبيخ بحق الذين أرسل إليهم ولم يؤمنوا, وسؤال مديح وثناء بحق الذين أرسلوا إلى الأمم وبحق الذين استجابوا للرسل. وفي هذا الإخبار عن ذلك الامتحان الحاصل للناس يوم القيامة ترغيب للناس على العمل بطاعة الله كي يفوزوا بذلك الامتحان, وترهيب للناس من تكذيب الرسل والعمل بالمعاصي كي لا يهلكوا ويخسروا في ذلك الامتحان. والله تعالى يعلم كل ما يسأل عنه الناس يوم القيامة, وإنما المراد من السؤال الجزاء والعقاب, فهو سؤال إهانة وتعذيب بحق المكذبين وهو سؤال مديح وثناء بحق الرسل وبحق الذين استجابوا للرسل وآمنوا وعملوا الصالحات.
(5) قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُون﴾. لما ذكر الله في الآيات السابقة أحوال يوم القيامة وما فيها من السؤال والحساب ذكر الله هنا أنّ من أحوال يوم القيامة الملازمة للسؤال والحساب ووزن الأعمال لأصحابها, يقول الإمام الرازي: «والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة, فإن كان الرجحان في طرف الحسنات, ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة, وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة». وفي هذه الآيات الستة تلخيص للدنيا والآخرة, فالدنيا دار ابتلاء وعمل, والآخرة دار حساب وجزاء وعقاب, ومن قرأ هذه الآيات علم القصة واستغنى عن قراءة المجلدات.
فهرس الكتاب