إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 6 خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 7 وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ 8 يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ 10 وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ 11 أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ 12 وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ 13 وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ 14 ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 15 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ 16
الصفحة 3

تفسير سورة البقرة - الآية 8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ 8

بعد المؤمنين الذين صدّقوا وانقادوا، والكافرين الذين جاهروا بالكفر، يأتي قوم يعلنون كلمة الإيمان ويخفون نقيضها. وخطرهم أن الناس قد يطمئنون إلى ما يسمعون منهم؛ فكيف نقرأ صفاتهم دون أن نجعل الظنون حكمًا على القلوب؟
«وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ»؛ هؤلاء المنافقون: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. ومعنى «من الناس»: بعض الناس؛ جاءت «يقول» مفردة مراعاة للفظ «مَن»، ثم «آمنا» و«ما هم» جمعًا مراعاة لمعناها؛ لأنها تشمل جماعة. ويمتد بيان أحوالهم ثلاث عشرة آية، بعد أربع في صفات المتقين وآيتين في الكافرين؛ لأن خفاء باطنهم مع ظهور الانتساب إلى الإسلام أشد إيقاعًا في الاغترار بهم. قال ابن القيم: «فإنهم منتسبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة»(1). فكان تفصيل صفاتهم رحمة بالمؤمنين وتحذيرًا من شر مستتر وراء دعوى الخير.
وقد ظهر النفاق في المدينة حين قويت شوكة المسلمين، ولا سيما بعد بدر؛ فأظهر بعض من بقي على الكفر الإسلام خوفًا وطمعًا، كما بيّن ابن كثير. ومنهم عبد الله بن أُبيّ، الذي كان قومه قد همّوا بتتويجه عليهم، فلما جاء الإسلام انصرفوا عن ذلك؛ ثم قال بعد نصر المسلمين ببدر: «هذا أمر قد توجّه» [رواه البخاري: 4566]، أي: ظهر وغلب، فأظهر الإسلام. دخل في صف المسلمين، ولم يدخل الإيمان قلبه. وهذه الصورة لا تنحصر في زمن مضى؛ وقد نبّه سيد قطب إلى تكررها في أجيال الناس: قوم يسترون رفضهم للدين بالانتساب إليه، فيحسبهم الناظر من المؤمنين، وباطنهم على خلاف ما أظهروا.
«آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ»؛ ادّعوا التصديق بالله وبالبعث والجزاء. وهذان أصلان عظيمان: معرفة المعبود الذي له الطاعة، والإيمان باليوم الذي يُرجع فيه إليه للحساب. وأعادوا الباء في «وباليوم الآخر» تأكيدًا لدعواهم. ولكن صدق الكلام في نفسه لا يعني صدق من يدّعي اعتقاده؛ قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]. فرسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق، وقد أثبتها الله في الآية نفسها؛ وإنما كذبوا في إظهار أنهم يشهدون بها عن إيمان، وقلوبهم على خلاف ما نطقوا به. وبهذا فسّر ابن كثير تكذيبهم هنا وهناك؛ فلا تغني قوة العبارة وتوكيدها عن صدق صاحبها(2).
«وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ»؛ نفى الله عنهم الإيمان الذي ادّعوه؛ فهم يبطنون الكفر، لا يقصّرون في بعض الطاعات فحسب. قال السعدي: «لأن الإيمان الحقيقي ما تواطأ عليه القلب واللسان»؛ أي: اتفقا عليه. وقد مرّ في تفسير البقرة 3 أن الإيمان يجمع اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح؛ فلا يكفي اسم الإسلام وكلماته مع إنكار حقيقته. قد يقول المرء: أنا مؤمن، فتصدّقه أنت؛ أما صدق إيمانه عند الله فلا تصنعه كلمته إذا كذّبها قلبه.
وهنا فرق لا بد من حفظه: النفاق الاعتقادي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وهو المراد في هذه الآيات. أما النفاق العملي فأن يتصف المسلم بخصلة من خصال المنافقين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» [متفق عليه: البخاري 33، ومسلم 59]. فهذه خصال عظيمة الخطر، لكنها لا تجعل المسلم بوقوعه فيها وحده كافرًا يبطن تكذيب الدين. ولا يصح أن نتخذ هذا الفرق تهوينًا للكذب والخيانة، كما لا يصح أن نجعل كل معصية دليلًا على كفر مستور؛ فلكل وصف حكمه.
والله الذي نفى عن هؤلاء الإيمان يعلم سرائرهم، أما نحن فلا نحكم على القلوب بالظنون. وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عن فريق من المنافقين: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لم أُومر أن أنقُب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» [متفق عليه: البخاري 4351، ومسلم 1064 واللفظ له]؛ وأنقُب: أفتش. فنحذر الكذب والخيانة والعدوان إذا ظهرت، ولا نضيف إلى ما علمناه دعوى معرفة الباطن؛ ولا تُتخذ كلمة «منافق» سلاحًا في كل خصومة.
وكان الصالحون أسبق إلى محاسبة أنفسهم من اتهام غيرهم. قال ابن أبي مُلَيكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه»(3). فلم يحملهم صلاحهم على الأمن من خلل السريرة.فيا من يرجو أن يكون من الصادقين؛ خذ من خوفهم يقظة تصلح بها عملك: إن تكلمت عن الأمانة فأدّ حق من ائتمنك، وإن دعوت إلى الصدق فاصدق حين يكلّفك الصدق خسارة مصلحة. وقد يجمّل المرء صورته أمام آلاف المتابعين ثم ينسى وفاءه لمن يعرفه عن قرب؛ فلا تجعل حسن ما يُقال عنك عوضًا عن إصلاح ما تعلمه من نفسك. اللهم اجعل سرائرنا صادقة، وأعمالنا موافقة لما نقر به من الإيمان.(1) مدارج السالكين (1/ 535).(2) تفسير ابن كثير (1/ 176-177)، وعند تفسير سورة المنافقون، الآية 1.(3) علّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم (1/ 18-19).
فهرس الكتاب