يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 9
كذّب الله دعواهم الإيمان في الآية السابقة، وهنا يكشف ما أرادوه بها وما جلبته عليهم. حسبوا أنهم ربحوا حين خفي أمرهم على بعض الناس؛ فهل النجاة من حكم الناس نجاة من حكم الله؟
«يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا»؛ المخادعة أن يُظهر المرء خلاف ما يُبطن ليصل إلى غرضه. وهؤلاء قالوا: آمنا، ليُعاملوا معاملة المؤمنين وتسلم أموالهم ودماؤهم. فهم يتعمّدون إظهار الإيمان لينتفعوا بأحكامه، مع إبطان الكفر ورفض الانقياد للحق.
وكيف يخادعون الله وهو يعلم سرائرهم؟ الآية تصف فعلهم وقصدهم، ولا تثبت نجاح الخداع على الله؛ فهو لا يُخدع ولا يخفى عليه شيء. قال ابن كثير: «يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين»(1)؛ ويروج: يمضي ويُقبل. وقد يبلغ بهم هذا الوهم أن يحلفوا يوم القيامة كما كانوا يحلفون في الدنيا؛ قال الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: 18]. فنجاح الكذبة في إقناع بعض الناس لا يجعلها صدقًا، ولا ينقل حكم البشر على الظاهر إلى علم الله بالباطن.
وقد قرن الله ذكر عباده المؤمنين باسمه، وفي ذلك تشريف لهم ووعيد لمن يكيد لهم من أجل دينهم. وهنا اعتنى سيد قطب بما يستمده المؤمن من ولاية الله: طمأنينة تعينه على الثبات أمام المكر. وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» [رواه البخاري: 6502]؛ وآذنته: أعلمته. فلا تحملك حيل أهل الباطل على الظن أنهم أفلتوا من سلطان الله، ولا تجعل ما يصيب المؤمن من أذى دليلًا على أن الله غافل عنه.
«وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ»؛ أرادوا أن ينفعوا أنفسهم بالخداع، فعاد عليهم وباله. ومثّل الطبري لمعنى الآية بمن يقاتل غيره ثم لا يقتل إلا نفسه: وُجدت منه محاولة، وكانت عاقبتها عليه. وقرأ نافع وابن كثير المكي وأبو عمرو: «وما يخادعون إلا أنفسهم»؛ ومآل القراءتين واحد، كما بيّن الحافظ ابن كثير. فليس اختلاف اللفظين تناقضًا بين إثبات الخداع ونفيه؛ أول الآية يصف مسعاهم، وآخرها يبيّن من يتحمل عاقبته.
وقد يُقال: لكنهم ظفروا بما أرادوا من سلامة أموالهم ودمائهم! نعم، جرت عليهم الأحكام الظاهرة، ولم يكن امتثال المؤمنين لهذا الحكم تصديقًا من الله لباطنهم. وهذه السلامة العاجلة لا تنجيهم من جزاء كفرهم؛ فشرح الطبري خداع النفس بأن المرء يظن، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه يحسن إليها(2). يرضيها بما يفنى ويوردها به عذابًا لا تطيقه؛ فأي ربح يبقى إذا ضاع ما بعده؟ وفي الآخرة يظهر الفارق الذي أخفوه في الدنيا: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: 13]. يطلبون أن يمهلهم المؤمنون لينالوا من نورهم، فلا تنفعهم صحبتهم الظاهرة؛ ثم يُفصل بينهم بسور، في جانب المؤمنين الرحمة وفي جانب المنافقين العذاب.
«وَمَا يَشْعُرُونَ»؛ والشعور إدراك ما يخفى ويدق؛ فهم لا يفطنون إلى الضرر الذي يوقعونه بأنفسهم. قال ابن زيد: «ما يشعرون أنهم ضرّوا أنفسهم بما أسرّوا من الكفر والنفاق»(3). فهم يعرفون ما يدبّرون، ولكنهم لا يدركون حقيقة عاقبته؛ يحسبون التلوّن حسن تدبير، ويعدّون الإمهال نجاة. قال ابن عثيمين: «أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة»(4). وقد يُسأل: كيف يُذمّون وهم لا يشعرون؟ لأنهم أعرضوا عن البيان الذي جاءهم؛ فعرفوا ما تقوم به عليهم الحجة ولم ينتفعوا به. فعدم تبصّرهم بعاقبة فعلهم لا يرفع عنهم تبعته.
ومن هنا يُحذر المسلم من الحيل التي يستر بها مخالفة الشرع، مع بقاء الفرق بين نوعي النفاق الذي تقدم في تفسير البقرة 8. وقد نقل ابن القيم عن ابن تيمية أن من أظهر عقدًا شرعيًا يريد به خلاف مقصوده يشبه من أظهر كلمة الإيمان دون حقيقتها: «ذاك مخادع في أصل الإيمان، وهذا مخادع في أعماله وشرائعه»(5). فتبديل اسم المحرم لا يقلبه حلالًا، وسيأتي تفصيل الحيل عند تفسير البقرة 65. وأما جزاء الله للمخادعين الوارد في سورة النساء، الآية 142، فهو عدل في مقابلة فعلهم، لا وصف يُطلق على الله دون قيد؛ وسيأتي بيانه عند تفسير البقرة 15.فيا من يفرح إذا وجد لمخالفته مخرجًا في الكلام؛ تمهّل قبل أن تسمي كل حيلة فطنة. إذا سألت عن الحكم فاذكر حقيقة معاملتك، ولا تحذف منها ما تعلم أنه يغيّر الجواب؛ فإنك قد تنال جوابًا يوافق ما رويت، ويبقى عليك حكم ما أخفيت. سل نفسك: أأطلب معرفة ما يرضي الله، أم أطلب عبارة أطمئن بها إلى ما أريد؟ وربحك أن تعود عن الخطأ حين يتبين لك، ولو خسرت مصلحة عاجلة؛ فلا تكن أرفق بمالك منك بنجاتك. اللهم أرنا عيوب أنفسنا، وأعذنا من تزيين الباطل والاغترار بالإمهال.(1) تفسير ابن كثير (1/ 177).(2) تفسير الطبري (1/ 280، 283).(3) تفسير الطبري (1/ 286).(4) تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (1/ 41).(5) إغاثة اللهفان (1/ 583-584).
«يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا»؛ المخادعة أن يُظهر المرء خلاف ما يُبطن ليصل إلى غرضه. وهؤلاء قالوا: آمنا، ليُعاملوا معاملة المؤمنين وتسلم أموالهم ودماؤهم. فهم يتعمّدون إظهار الإيمان لينتفعوا بأحكامه، مع إبطان الكفر ورفض الانقياد للحق.
وكيف يخادعون الله وهو يعلم سرائرهم؟ الآية تصف فعلهم وقصدهم، ولا تثبت نجاح الخداع على الله؛ فهو لا يُخدع ولا يخفى عليه شيء. قال ابن كثير: «يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين»(1)؛ ويروج: يمضي ويُقبل. وقد يبلغ بهم هذا الوهم أن يحلفوا يوم القيامة كما كانوا يحلفون في الدنيا؛ قال الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: 18]. فنجاح الكذبة في إقناع بعض الناس لا يجعلها صدقًا، ولا ينقل حكم البشر على الظاهر إلى علم الله بالباطن.
وقد قرن الله ذكر عباده المؤمنين باسمه، وفي ذلك تشريف لهم ووعيد لمن يكيد لهم من أجل دينهم. وهنا اعتنى سيد قطب بما يستمده المؤمن من ولاية الله: طمأنينة تعينه على الثبات أمام المكر. وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» [رواه البخاري: 6502]؛ وآذنته: أعلمته. فلا تحملك حيل أهل الباطل على الظن أنهم أفلتوا من سلطان الله، ولا تجعل ما يصيب المؤمن من أذى دليلًا على أن الله غافل عنه.
«وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ»؛ أرادوا أن ينفعوا أنفسهم بالخداع، فعاد عليهم وباله. ومثّل الطبري لمعنى الآية بمن يقاتل غيره ثم لا يقتل إلا نفسه: وُجدت منه محاولة، وكانت عاقبتها عليه. وقرأ نافع وابن كثير المكي وأبو عمرو: «وما يخادعون إلا أنفسهم»؛ ومآل القراءتين واحد، كما بيّن الحافظ ابن كثير. فليس اختلاف اللفظين تناقضًا بين إثبات الخداع ونفيه؛ أول الآية يصف مسعاهم، وآخرها يبيّن من يتحمل عاقبته.
وقد يُقال: لكنهم ظفروا بما أرادوا من سلامة أموالهم ودمائهم! نعم، جرت عليهم الأحكام الظاهرة، ولم يكن امتثال المؤمنين لهذا الحكم تصديقًا من الله لباطنهم. وهذه السلامة العاجلة لا تنجيهم من جزاء كفرهم؛ فشرح الطبري خداع النفس بأن المرء يظن، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه يحسن إليها(2). يرضيها بما يفنى ويوردها به عذابًا لا تطيقه؛ فأي ربح يبقى إذا ضاع ما بعده؟ وفي الآخرة يظهر الفارق الذي أخفوه في الدنيا: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: 13]. يطلبون أن يمهلهم المؤمنون لينالوا من نورهم، فلا تنفعهم صحبتهم الظاهرة؛ ثم يُفصل بينهم بسور، في جانب المؤمنين الرحمة وفي جانب المنافقين العذاب.
«وَمَا يَشْعُرُونَ»؛ والشعور إدراك ما يخفى ويدق؛ فهم لا يفطنون إلى الضرر الذي يوقعونه بأنفسهم. قال ابن زيد: «ما يشعرون أنهم ضرّوا أنفسهم بما أسرّوا من الكفر والنفاق»(3). فهم يعرفون ما يدبّرون، ولكنهم لا يدركون حقيقة عاقبته؛ يحسبون التلوّن حسن تدبير، ويعدّون الإمهال نجاة. قال ابن عثيمين: «أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة»(4). وقد يُسأل: كيف يُذمّون وهم لا يشعرون؟ لأنهم أعرضوا عن البيان الذي جاءهم؛ فعرفوا ما تقوم به عليهم الحجة ولم ينتفعوا به. فعدم تبصّرهم بعاقبة فعلهم لا يرفع عنهم تبعته.
ومن هنا يُحذر المسلم من الحيل التي يستر بها مخالفة الشرع، مع بقاء الفرق بين نوعي النفاق الذي تقدم في تفسير البقرة 8. وقد نقل ابن القيم عن ابن تيمية أن من أظهر عقدًا شرعيًا يريد به خلاف مقصوده يشبه من أظهر كلمة الإيمان دون حقيقتها: «ذاك مخادع في أصل الإيمان، وهذا مخادع في أعماله وشرائعه»(5). فتبديل اسم المحرم لا يقلبه حلالًا، وسيأتي تفصيل الحيل عند تفسير البقرة 65. وأما جزاء الله للمخادعين الوارد في سورة النساء، الآية 142، فهو عدل في مقابلة فعلهم، لا وصف يُطلق على الله دون قيد؛ وسيأتي بيانه عند تفسير البقرة 15.فيا من يفرح إذا وجد لمخالفته مخرجًا في الكلام؛ تمهّل قبل أن تسمي كل حيلة فطنة. إذا سألت عن الحكم فاذكر حقيقة معاملتك، ولا تحذف منها ما تعلم أنه يغيّر الجواب؛ فإنك قد تنال جوابًا يوافق ما رويت، ويبقى عليك حكم ما أخفيت. سل نفسك: أأطلب معرفة ما يرضي الله، أم أطلب عبارة أطمئن بها إلى ما أريد؟ وربحك أن تعود عن الخطأ حين يتبين لك، ولو خسرت مصلحة عاجلة؛ فلا تكن أرفق بمالك منك بنجاتك. اللهم أرنا عيوب أنفسنا، وأعذنا من تزيين الباطل والاغترار بالإمهال.(1) تفسير ابن كثير (1/ 177).(2) تفسير الطبري (1/ 280، 283).(3) تفسير الطبري (1/ 286).(4) تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (1/ 41).(5) إغاثة اللهفان (1/ 583-584).