يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدࣲ 30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾، وقُرِئَتْ: ”يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“، نُصِبَ ”يَوْمَ“، عَلى وجْهَيْنِ: عَلى مَعْنى: ”ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ“، وعَلى مَعْنى: ”أنْذِرْهم يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ“، كَما قالَ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: 39] [ ص: 47 ] وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾، أيْ: ”أمْ لَمْ تَمْتَلِئِي؟“، وإنَّما السُّوالُ تَوْبِيخٌ لِمَن أُدْخِلَها، وزِيادَةٌ في مَكْرُوهِهِ، ودَلِيلٌ عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 85]، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، فَفِيهِ وجْهانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، أحَدُهُما أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِلائِها، فَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، أيْ: ”هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟“، أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ، ووَجْهٌ آخَرُ: تَقُولُ: ”هَلْ مِن مَزِيدٍ“، تَغَيُّظًا عَلى مَن عَصى، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12]، فَأمّا قَوْلُها هَذا، ومُخاطَبَتُها، فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ فِيها ما بِهِ تُمَيِّزُ وتَخاطِبُ، كَما جَعَلَ فِيما خَلَقَ أنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وكَما جَعَلَ في النَّمْلَةِ أنْ قالَتْ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]، وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها امْتَلَأتْ، فَصارَتْ صُورَتُها صُورَةَ مَن لَوْ مَيَّزَ لَقالَ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قُطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وَلَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ، وهَذا لَيْسَ يُشْبِهُ ذاكَ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أعْلَمَنا أنَّ المَخْلُوقاتِ تُسَبِّحُ، وأنَّنا لا نَفْقَهُ تَسْبِيحَها، فَلَوْ كانَ إنَّما هو أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ كُنّا نَفْقَهُ تَسْبِيحَها.
؎اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قُطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وَلَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ، وهَذا لَيْسَ يُشْبِهُ ذاكَ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أعْلَمَنا أنَّ المَخْلُوقاتِ تُسَبِّحُ، وأنَّنا لا نَفْقَهُ تَسْبِيحَها، فَلَوْ كانَ إنَّما هو أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ كُنّا نَفْقَهُ تَسْبِيحَها.