فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ 149
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الصافات: 149-163]
(149ــ 160) قوله تعالى: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون. ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين. ما لكم كيف تحكمون. أفلا تذكرون. أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون. سبحان الله عما يصفون. إلا عباد الله المخلصين﴾. في هذه الآيات تربية على الحوار في أمر التوحيد وهو أهم مسائل العقيدة، وذلك أنه تعالى لما ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها. ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور، فقال: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون﴾ كما قال في أول السورة: ﴿فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا﴾ [الصافات: 11]. وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين. واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين: (أحدهما) إثبات البنات لله، وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف منه المخلوق لا يمكن إثباته للخالق. (والثاني) إثبات أن الملائكة إناث، وهذا باطل لأنه لا علم لنا به، ولأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر. أما الحس فمفقود لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله: ﴿أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون﴾. وأما الخبر فمنقود لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقا قطعا، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله: ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون﴾. وأما النظر فمفقود، وبيانه أن العقل ينفي إسناد الأخس إلى الأفضل، ثم نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر. واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل. فقوله تعالى: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون﴾ لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات الله، فقال: (فاستفتهم) يعني: فسل يا محمد أهل مكة (ألربك البنات) وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله، وهذا سؤال توبيخ. ﴿أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون﴾ يعني: حاضرون لخلقنا إياهم إناثا. ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون﴾ والإفك أسوأ الكذب. ﴿ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ يعني: في قولهم إن لله ولدا، وهو الذي لا يلد ولا يولد. ﴿أصطفى البنات على البنين﴾ يعني: اختار البنات وترك البنين، وهو سؤال على معنى التقريع والتوبيخ. ﴿ما لكم؟ كيف تحكمون؟﴾ وهما سؤالان على معنى التوبيخ. (أفلا تذكرون؟) في أنه لا يجوز أن يكون له ولد. ﴿أم لكم سلطان مبين﴾ يعني: حجة وبرهان. (فأتوا بكتابكم) يعني: بحجتكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ يعني: في قولكم. ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة﴾ أكثر أهل التفسير على أن الجنة هنا الملائكة، وإنما سموا جنة لعدم رؤيتهم، وقيل: إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم جنة (نسبا) يعني: مصاهرة، فقالوا: إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم ﴿ولقد علمت الجنة﴾ يعني: الملائكة (إنهم) يعني قائل هذا القول (لمحضرون) في النار، وقيل: للحساب. ﴿سبحان الله عما يصفون﴾ يعني: تنزه الله عما يصفون. ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ يعني: فإنهم ناجون من النار.
(161) و (162) و (163) قوله تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم﴾. اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذاهب الكفار، أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق علم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار. فقوله تعالى: (فإنكم وما عبدون) يعني: فإنكم والذي تعبدون، وقيل: فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام، وقيل: فإنكم مع ما تعبدون من دون الله. ﴿ما أنتم عليه﴾ يعني: على الله (بفاتنين) يعني: بمضلين. ﴿إلا من هو صال الجحيم﴾ يعني: داخل إلى النار وملازم لها. والمعنى: ما أنتم بمضلين أحدا إلا من علم الله عز وجل عليه أن يضل.
(149ــ 160) قوله تعالى: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون. ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين. ما لكم كيف تحكمون. أفلا تذكرون. أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون. سبحان الله عما يصفون. إلا عباد الله المخلصين﴾. في هذه الآيات تربية على الحوار في أمر التوحيد وهو أهم مسائل العقيدة، وذلك أنه تعالى لما ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها. ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور، فقال: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون﴾ كما قال في أول السورة: ﴿فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا﴾ [الصافات: 11]. وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين. واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين: (أحدهما) إثبات البنات لله، وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف منه المخلوق لا يمكن إثباته للخالق. (والثاني) إثبات أن الملائكة إناث، وهذا باطل لأنه لا علم لنا به، ولأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر. أما الحس فمفقود لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله: ﴿أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون﴾. وأما الخبر فمنقود لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقا قطعا، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله: ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون﴾. وأما النظر فمفقود، وبيانه أن العقل ينفي إسناد الأخس إلى الأفضل، ثم نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر. واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل. فقوله تعالى: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون﴾ لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات الله، فقال: (فاستفتهم) يعني: فسل يا محمد أهل مكة (ألربك البنات) وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله، وهذا سؤال توبيخ. ﴿أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون﴾ يعني: حاضرون لخلقنا إياهم إناثا. ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون﴾ والإفك أسوأ الكذب. ﴿ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ يعني: في قولهم إن لله ولدا، وهو الذي لا يلد ولا يولد. ﴿أصطفى البنات على البنين﴾ يعني: اختار البنات وترك البنين، وهو سؤال على معنى التقريع والتوبيخ. ﴿ما لكم؟ كيف تحكمون؟﴾ وهما سؤالان على معنى التوبيخ. (أفلا تذكرون؟) في أنه لا يجوز أن يكون له ولد. ﴿أم لكم سلطان مبين﴾ يعني: حجة وبرهان. (فأتوا بكتابكم) يعني: بحجتكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ يعني: في قولكم. ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة﴾ أكثر أهل التفسير على أن الجنة هنا الملائكة، وإنما سموا جنة لعدم رؤيتهم، وقيل: إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم جنة (نسبا) يعني: مصاهرة، فقالوا: إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم ﴿ولقد علمت الجنة﴾ يعني: الملائكة (إنهم) يعني قائل هذا القول (لمحضرون) في النار، وقيل: للحساب. ﴿سبحان الله عما يصفون﴾ يعني: تنزه الله عما يصفون. ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ يعني: فإنهم ناجون من النار.
(161) و (162) و (163) قوله تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم﴾. اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذاهب الكفار، أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق علم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار. فقوله تعالى: (فإنكم وما عبدون) يعني: فإنكم والذي تعبدون، وقيل: فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام، وقيل: فإنكم مع ما تعبدون من دون الله. ﴿ما أنتم عليه﴾ يعني: على الله (بفاتنين) يعني: بمضلين. ﴿إلا من هو صال الجحيم﴾ يعني: داخل إلى النار وملازم لها. والمعنى: ما أنتم بمضلين أحدا إلا من علم الله عز وجل عليه أن يضل.