قال المؤلف رحمه الله تعالى: فالقرآن أفضل كتب الله الجليلة أنزله على خير خلقه عامة، وبعثه به إلى خير أمة، شهد به كتابه المُبين على لسان رسوله الصادق الأمين، جعله كتاباً فارقاً بين الشك واليقين، أعجزت الفصحاء معارضته، وأغيت الألباء مناقضته، وأخرست البلغاء مُشاكلته، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فالأولى بالعاقل الأريب والفطن اللبيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدّنية، ويأخذها بالرتبة السنية، فيطلع من علومه على أهمها وآكدها. وهي بعد تجويد الفاظه بالتلاوة خمسة علوم : علم الإعراب، وعلم التصريف، وعلم اللغة، علم المعاني، وعلم البيان. وقد أكثر العلماء رحمهم الله من البحث عن ذلك، واهتموا به غاية الاهتمام، فجزاهم الله عن سعيهم أفضل الجزاء يوم الفصل والقضاء، إذ هم الأئمة المُمهدون للقواعد، المُبينون لأصول المعاقد. غير أن منهم جماعة لم يقتصروا على هذه العلوم الخمسة في مصنف يجمعها، بل ضموا إلى ذلك ذكر سبب النزول، وذكر القصص على ما فعله المفسرون لأنهم لم يضعوا كتبهم إلا لذلك، ومنهم من اقتصر على ذكر الإعراب فقط، ومنهم من اقتصر على علم مفردات الألفاظ فقط وترك شيئاً كثيراً من علم التصريف المتعلق باشتقاق اللغة، ممّا لا يسع الإنسان جهله، ومنهم من اقتصر على معرفة نظمه وجزالته وبلاغته مما يتكفل به علم المعاني والبيان. ورأيت أن هذه العلوم الخمسة متجاذبة شديدة الاتصال بعضها ببعض ، لا يحصل للناظر في بعضها كبير فائدة بدون الاطلاع على باقيها، فإن من عرف كون هذا فاعلاً أو مفعولاً أو مبتدأ مثلاً ولم يعرف كيفية تصريفه ولا اشتقاقه ولا كيف موقعه من النظم لم يَحْلُ بطائل، و كذا لو عرف موقعه من النظم ولم يعرف باقيها. فلما رأيتُ الأمر كذلك واطلعتُ على ما ذكره الناس في هذه الفنون، ورأيتهم : إما ذاكراً الواضح البين الذي لم يحتج للتنبيه عليه إلا الأجنبي من الصناعة، وإمّا المقتصر على المشكل بلفظ مختصر، استخرت الله الكريم القوي المتين في جمع أطراف هذه العلوم، آخذاً من كل علم بالحظ الوافر، بحيث إني إذا عرضتُ قاعدة كلية من قواعد هذه العلوم أو ضابط لمسألة منتشرة الأطراف ذكرت ذلك محرراً له من كتب القوم، ولا أذكر إلا ما هو المختار عند أهل تلك الصناعة، وإذا ذكرتُ مذهباً لأحد من أهل العلم فقد يحتمل هذا الكتاب ذكر دلائله والاعتراضات عليه والجواب عنه فأذكره، وقد لا يحتمل فأحيله علي كتب ذلك العلم . ولم آلُ جُهداً في استيفاء الكلام على مسائل هذا الكتاب، فإني تعرضتُ للقراءات المشهورة والشاذة وما ذكر الناس في توجيهها، ولم أترك وجهاً غريباً من الإعراب، وإن كان واهيًا. ومقصودي بذلك التنبيه على ضعفه حتى لا يغتر به من اطلع عليه، وذكرْتُ كثيراً من المناقشات الواردة على أبي القاسم الزمخشري وأبي محمد ابن عطية ومحب الدين أبي البقاء، وإن أمكن الجواب عنهم بشيء ذكرته، وكذلك تعرضتُ لكلام كثير من المفسرين كالمهدوي ومكي والنحاس دون غيرهم، فإنهم أعنى الناس بما قصدته وأغناهم. وهذا التصنيف في الحقيقة نتيجة عمري و ذخيرة دهري ، فإنه لبُّ كلام أهل هذه العلوم. وإذا تكرّرت الآية الكريمة - أو ما يقاربها في تركيبها أو قاعدة كلية أو ضابط قد مرّ ذكره - فلا أعيدها، بل إن بعُد العهد ذكرت ما ينبهك عليها. وسميته بـ«الدّر المصون في علوم الكتاب المكنون» وعلى الله توكلت وإليه أنيب. * نقاط في منهجه:[1] - تميّز منهج المؤلف في إعراب القرآن بميزات هامة، أهمها: عنايته بالمعنى في الإعراب، والتزام الظاهر، ونبذ الإغراق والتمحل، وحمل القرآن على الأوجه الصحيحة والمشهورة، وتنـزيهه عن الأوجه الضعيفة. - اعتنى المؤلف بتفسير المفردات وبيان صرفها، مما جعل كتابه مصدراً هاماً في باب المفردات القرآنية. - اعتنى المؤلف بالقراءات المتواترة والشاذة فيذكرها ويوجيهها ويدافع عنها، مما يجعل الدر المصون من المراجع الهامة في القراءات وتوجيهها. - اعتنى المؤلف بدراسة البلاغة القرآنية، من علوم البيان والمعاني والبديع، وأبرز بلاغة القرآن في الترتيب، وسر اختيار الألفاظ والجمل، وسر خواتيم الآيات. - استقل المؤلف عن شيخه في مصادره ومنهجه، وتعقّبَه في كثير من المواطن، وهذا لا يتنافى مع كثرة اعتماده على شيخه وإفادته منه. - وقع المؤلف في بعض المآخذ، أبرزها: انتقاده لبعض القراءات مما يقدح في منهجه المحافظ فيها، واستطراداته الكثيرة في النحو واللغة والصرف، مما ليس له أثر في التفسير أو المعنى، وقسوته في انتقاد شيخه. - المؤلف أشعري العقيدة، شافعي المذهب. ـــــــــــــــــــ [1] مستفاد من (منهج السمين الحلبي في التفسير في كتابه الدر المصون)