قال المؤلف رحمه الله تعالى: غرضنا الذي امتثَلْناه في كتابنا هذا: أن نختصر ونُكْمل، وأن نوضِّح ونُجْمِلَ؛ وأن لا نستشهدَ على اللفظ المُبْتَذَل، ولا نُكْثِرَ الدِّلالةَ على الحرف المستعمل؛ وأن لا نحشُوَ كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد. فإنَّا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث: لاحتجنا إلى أن نأتِيَ بتفسير السلف - رحمة الله عليهم - بعينه؛ ولو أتَيْنا بتلك الألفاظ كان كتابنا كسائر الكتب التي أَلَّفَهَا نَقَلَةُ الحديث؛ ولو تكلَّفْنا بعدُ اقتصاصَ اختلافِهم، وتبيينَ معانيهم، وفتْقَ جُمَلِهم بألفاظنا، وموضعَ الاختيارِ من ذلك الاختلاف، وإقامةَ الدلائل عليه، والإخبارَ عن العلة فيه -: لأسْهبْنا في القول، وأطلنا الكتاب؛ وقطعْنا منه طمعَ المُتحفِّظ، وباعدْناه من بُغْيَة المُتأدِّب؛ وتكلَّفنا من نقل الحديث، ما قد وُقِينَاه وكُفِيناه. وكتابنا هذا مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين. لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلَّفنا في شيء منه بآرائنا غيرَ معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أَوْلَى الأقاويلِ في اللغة، وأشْبَهَهَا بقصةِ الآية. ونَبَذْنَا مُنكَرَ التأويل، ومَنحولَ التفسير. [ثم ضرب أمثلة على هذا، ثم قال:] لا ندري: أَمِن جهة المفسرين لها وَقَع الغلطُ؟ أو من جهة النَقَلة؟ وبالله نستعين، وإيّاه نسأل التوفيق للصواب. * قال المحقق:[1] هذا هو الكتاب الثاني من مكتبة ابن قتيبة، وهو في حقيقة أمره تتمة لكتاب "تأويل مشكل القرآن"، لأن اللفظ الغريب من غامض المشكل الذي أراغ ابن قتيبة إلى توضيحه وتبيين دقيقه. وإنما أفرد الغريب بكتاب لئلا يطول كتاب المشكل، وهو يحرص أشد الحرص على أن تكون كتبه وجيزة خفيفة على قرائها: لتنشط إليها نفوسهم، وتقبل عليها قلوبهم، وينعموا بجناها نعيماً خالصاً من كدر السآمة التي يجلبها التطويل والإكثار. وقد أنبأنا ابن قتيبة في صدر كتابه هذا أن غرضه الذي امتثله فيه: أن يختصر ويكمل، ويوضح ويجمل، وأن لا يستشهد علي اللفظ المبتذل ، ولا يكثر الدلالة علي الحرف المستعمل، وأن لا يحشو كتابه بالنحو وبالحديث والأسانيد، لأنه لو فعل ذلك لأورد ألفاظ السابقين بأعيانها، وكان كتابه كسائر الكتب التي ألفها قبله نقلة الحديث. ولو نقل أفواههم واختار منها أصحها في نظره، وأقام الدلائل عليه، وأخبر عن العلة فيه:- لأسهب في القول، وأطال الكتاب، وقطع منه طمع المتحفظ، وباعده من بغية المتأدب. وتلك التي تستك منها مسامعه. ثم يخبرنا بأن كتابه مستنبط من كتب المفسرين، وأصحاب اللغة العالمين، وأنه لم يخرج فيه عن مذاهبهم ومعانيهم، ولم يتكلف في شيء منه إلا الإفصاح عن ألفاظهم بلفظه، واختياره في تأويل الحرف أولى الأقوال في لغة العرب، وأشبهها بقصة الأية التي يفسرها. ثم يقول: "إنه نبذ منكر التأويل، ومنحول التفسير، الذي لا يدري: أوقع الغلط فيه من جهة المفسرين ؟ أم جهة النقلة؟". ثم عقد باباً عنوانه: "اشتقاق أسماء الله وصفاته وإظهار معانيها" فسر فيه ستة وعشرين حرفاً من الحروف المعبرة عن ذلك. ثم أعقبه (باب تأويل حروف كثرت في الكتاب)، لم ير بعض السور أولى بإيرادها من بعض، وقد فسر منها أربعين حرفاً. ثم قفاه بتفسير غريب سورة الحمد والبقرة فسائر سور القرآن على ترتيب المصحف المعروف. وهذا اللون - من ألوان ترتيب كتب الغريب - أقرب منالاً من االكتب المؤلفة على حسب حروف المعجم، لأن الطالب لمعرفة غريب أية أو آيات أو سورة يجد طلبته مجموعة أمامه، ولا يتبدد ذهنه في الكشف عن معاني الكلمات في موادها المختلفة. وقد اعتمد ابن قتيبة على كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة ومعاني القرآن للفراء أكبر اعتماد، وانتفع بهما انتفاعاً عظيماً؛ حتى إنه في بعض المواطن كان ينقل لفظهما بنصه وفصه. ولم يكن ابن قتيبة مجرد ناقل لكلامهما أو لكلام غيرهما؛ بل إنه أخذ من الجميع أخذ العالم البصير الذي يعرف ما يأخذ وما يذر، وتظهر شخصيته في كتابه قوية واضحة المعالم بينة القسمات، وكثيرا ما نقد رأي أبي عبيدة والفراء نقدا جريئا لاذعا حينا، وهادئا أحيانا. ولقد كان كتاب ابن قتيبة هذا مصدراً هاماً لكثير ممن جاءوا بعده: سواء منهم من ألف في تفسير القرآن عامة، أو تفسير غريبه خاصة، كالقرطبي والفخر الرازي وأبي حيان الأندلسي. ومما يستلفت النظر أن أبا جعفر الطبري قد انتفع بكتاب الغريب هذا انتفاعاً كبيراً، ونقل ألفاظه في بعض المواطن نقلاً حرفياً، دون أن يشير إلى ابن قتيبة بأيّة إشارة واضحة أو مبهمة كالواضحة. مثل ما فعل مع الفراء وأبي عبيدة. وكثير من المواطن التي لم ينقل فيها ألفاظ ابن قتيبة وعبر فيها بألفاظه وأسلوبه، يجد فيها القارئ الحصيف ريح كلام ابن قتيبة. وما أشبههما إلا ببحر كبير عارم الموج مر بجدول صغير، فاستاق ماءه ومضى به. وقد أكثر ابن قتيبة من الإشارة إلى كتاب تأويل مشكل القرآن والإحالة عليه، بما لا يدع مجالاً للشك في ارتباط الكتابين ارتباطاً وثيقاً . ولم يشر إلى غيره من كتبه إلّا إشارة واحدة لكتاب "القراءات"، كانت أوضح من إشارته إليه في كتاب المشكل، ونصاً قاطعاً في أنه ألفه قبلهما. وقد أخطأ ابن قتيبة في تفسير بعض الغريب الذي ذكره؛ وقد نبهت عليه، وأبنت وجه الحق مؤيداً بأقوال الثقات من أعلام العلماء. وكان عملي في هذا الكتاب كعملي في سابقه، وهو ما أجملت الافصاح عنه هناك بقولي: ولقد حرصت في شرحي لهذا الكتاب على تخريج أبياته وربط موضوعاته بأماكنها من كتب اللغة والأدب والتفسير، ونقلت من الآراء ما دعت إليه ضرورة البحث، وأومأت إلى ما لم أنقل. وكان قصدي في ذلك إما تعضيد رأي، أو توهين قول، أو تفصيل مجمل، أو توضيح مبهم، أو الاشارة إلى مصدر فكرة، أو اتفاق خاطر. ليكون الدارس للكتاب على بينة مما ذكره ابن قتيبة، محيطاً بفقه المسائل التي عرض لها، جامعاً لأطراف الآراء ووجوه المذاهب فيها. فإن كنت أصبت فالخير أردت وإن تكن الأخرى ففي نقدات القراء ما يقيم كل عوج، ويصلح كل مناد. ـــــــــــــــــــ [1] اختصرت بعضه