ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ 3 وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ 4 فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا 5 إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا 6 فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ 7 وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب 8 سورة التينبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِوَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ 1 وَطُورِ سِينِينَ 2 وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ 3 لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ 4 ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ 5 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ 6 فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ 7 أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ 8 سورة العلقبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ 2 ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ 3 ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ 4 عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ 5 كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ 6 أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ 7 إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ 8 أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ 9 عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ 10 أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ 11 أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ 12

تفسير سورة العلق - الآية 5

عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ 5

[سورة العلق (96): آية 5]
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
وفي الأثر: «قيدوا العلم بالكتابة» وفيه أيضا: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم»).
قال صاحب الظلال معلقا على حادثة ابتداء الوحي: (وقفت هنا أمام هذا الحادث الذي طالما قرأناه في كتب السيرة وفي كتب التفسير، ثم مررنا به وتركناه، أو تلبثنا عنده قليلا ثم جاوزناه!.
إنه حادث ضخم. ضخم جدا. ضخم إلى غير حد. ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته، فإن جوانب كثيرة منه ستظل خارج تصورنا.
إنه حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته. وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعا.
وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد- بغير مبالغة- هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل. ما حقيقة هذا الحادث الذي تم في هذه اللحظة؟.
حقيقته أن الله جل جلاله، العظيم الجبار القهار المتكبر، مالك الملك كله، قد تكرم- في عليائه- فالتفت إلى هذه الخليقة المسماة بالإنسان، القابعة في ركن من أركان الكون لا يكاد يرى اسمه: الأرض. وكرم هذه الخليقة باختيار واحد منها ليكون ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته، ومهبط كلماته، وممثل قدره الذي يريده- سبحانه- بهذه الخليقة.
وهذه حقيقة كبيرة. كبيرة إلى غير حد. تتكشف جوانب من عظمتها حين يتصور الإنسان- قدر طاقته- عظمة الألوهية المطلقة الأزلية الباقية. ويتصور في ظلها حقيقة العبودية المحدودة الحادثة الفانية. ثم يستشعر وقع هذه العناية الربانية بهذا المخلوق الإنساني؛ ويتذوق حلاوة هذا الشعور؛ ويتلقاه بالخشوع والشكر والفرح والابتهال..
وهو يتصور كلمات الله، تتجاوب بها جنبات الوجود كله، منزلة لهذا الإنسان في ذلك الركن المنزوي من أركان الوجود الضئيلة.
وما دلالة هذا الحادث؟
دلالته- في جانب الله سبحانه- أنه ذو الفضل الواسع، والرحمة السابغة، الكريم الودود المنان. يفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة، سوى أن الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية الكريمة.
ودلالته- في جانب الإنسان- أن الله- سبحانه- قد أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها، ولا يملك أن يشكرها. وأن هذه وحدها لا ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعا ساجدا.. هذه.. أن يذكره الله، ويلتفت إليه، ويصله به، ويختار من جنسه رسولا يوحي إليه بكلماته. وأن تصبح الأرض.. مسكنه.. مهبطا لهذه الكلمات التي تتجاوب بها جنبات الوجود في خشوع وابتهال.
فأما آثار هذا الحادث الهائل في حياة البشرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة الأولى.
بدأت في تحويل خط التاريخ، منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني.. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه.. إنها ليست الأرض وليس الهوى.. إنما هي السماء والوحي الإلهي.
ومنذ هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة. في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة. عاشوا يتطلعون إلى الله مباشرة في كل أمرهم.
كبيره وصغيره. يحسون ويتحركون تحت عين الله. ويتوقعون أن تمتد يده- سبحانه- فتنقل خطاهم في الطريق خطوة خطوة. تردهم عن الخطأ وتقودهم إلى الصواب.. وفي كل ليلة كانوا يبيتون في ارتقاب أن يتنزل عليهم من الله وحي يحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في مشكلاتهم، ويقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك!
إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة. الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه
الأرض وانتهى عهد. والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل. والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به. وسجله الضمير الإنساني. وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها. وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان.. ).
كلمة في السياق:
1 - قال تعالى في محور السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وقد جاءت الآيات الخمس لتأمر بقراءة الكون والإنسان باسم الله عزّ وجل، ووعدت على هذه القراءة بالإكرام بالعلم من الله الذي علم الإنسان بواسطة وبغير واسطة، ومن صلة الفقرة بمحورها نعلم أن قراءة الكون والحياة باسم الله عزّ وجل عبادة من العبادات الموصلة للتقوى.
2 - ذكر محور السورة خلق الإنسان، وجعل الأرض فراشا، والسماء بناء، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وكل ذلك مما ينبغي أن يقرأه الإنسان باسم الله عزّ وجل، ولا شك أن هذه القراءة تفضي إلى الشكر والتوحيد والتقوى والعبادة. وفي الآيات الخمس التي مرت معنا في سورة العلق ذكرنا الله عزّ وجل أنه الخالق، وأنه الذي خلق الإنسان من علق، وأنه الأكرم، وأنه الذي علم بالقلم، وأنه الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وهي معان تقتضي عبودية واعترافا لله عزّ وجل بالفضل وقياما بالشكر، والتزاما بالتقوى، ولكن الإنسان بدلا من أن يقابل النعم الخاصة والعامة بالعبادة والتقوى، أي: بالشكر، فإنه يزداد طغيانا كلما زاد غنى. وهذا الذي سجلته الفقرة الثانية.
تفسير الفقرة الثانية:
كَلَّا كلمة يراد بها الردع، وهي في هذا السياق تفيد أن ناسا لا يقرءون
الكون والحياة باسم الله عزّ وجل، ولا يرتبون على ذلك ما ينبغي أن يترتب، وأن هناك ناسا لا يشكرون نعمة الله عزّ وجل في التعليم والخلق والعطاء، ومن ثم قال تعالى:
بداية سورة العلق فهرس السور